نعم طريق مسدود كالطريق المسدود الذي حاصرت السلطات السعودية الحجاج فيه ..
نعم ..
لعل بعض القراء يذكرون ما كتبته عن الحج منذ ثلاثة أعوام عندما أكرمني الله بحجتي الأخيرة ..
لقد امتدحت الجهد المذهل في خدمة الحجيج في المدينة المنورة ..
وكذلك في المسجد الحرام .. و إن كنت قد أدنت ما يحدث حوله من تزاحم الباعة ببضائع بلا قيمة ليس فيها منتج إسلامي .. مما يسبب عرقلة الحجاج في انصرافهم بعد الصلاة .. و أن هذا المظهر البائس يراد منه أن يكون تعويضا سافلا عن تبادل المنافع الاقتصادي الحقيقي بين دول العالم الإسلامي، وأن هذا التبادل الاقتصادي من كبائر المحرمات في المذهب الأمريكي، لأنه سيؤدي بالضرورة إلى اقتراب سياسي، وبعد هذا كله فقد أدنت بكل قوة وحزم ما يحدث في عرفات وفي منى، في عرفات كان المنظر الهمجي المتخلف لإلقاء زجاجات الماء والعصائر على حجاج يتسابقون خلف سيارة مسرعة تلقي إليهم ما تلقي في مشهد جدير بحديقة الحيوان، أما في صلاة الظهر والعصر في مسجد نمرة، فقد كان الحجاج مجهدين (قمة الإجهاد يكون في يوم وليلة عرفة) . وبعد الصلاة كنا نريد أن نعود إلى خيامنا، ولكننا اكتشفنا أننا ظللنا ندور لمدة ساعتين حول المسجد، واكتشفنا في النهاية أن الشرطة تسوقنا كالحيوانات كي نواصل الطواف حتى ينصرف موكب الأمراء والضيوف، وثار البعض، وهنا ظهر المعدن الحقيقي للشرطة السعودية، وهي تماما كنظيرتها المصرية، صناعة أمريكية، وثار بعض الناس، فتصرف بعض الضباط كما لو كنا نحج إلى الملك أو وزير الداخلية وليس إلى الله، كان أمامي شيخ تجاوز السبعين، خارت قواه فثار فهدده الضابط باعتقاله وعدم تمكينه من إتمام الحج، صارخا فيه: إن كان لا يعجبكم نظامنا فلماذا أتيت إلينا، وددت ساعتها أن ألطمه لكنني تذكرت أنه لا جدال. وفي منى كان الحال أشد منه في عرفات، وفي أكثر الأيام زحاما في العالم كانت السلطات السعودية توقف المواصلات العمومية حتى تبيح للسائقين ابتزاز الحجاج ولترتفع التعريفة ثلاثين ضعفا وأكثر، وينتج عن ذلك مزيد من التكدس. أما في رمي الجمار فقد استشهد أربعة عشر حاجا في العام الذي حججت فيه، وكدت أكون الخامس عشر، كان المذهل هو الموقف السلبي للشرطة السعودية، إنها تمنع وتبطش لكنها لا تنظم، كانت أفواج الحجاج تأتي من كل صوب، أمواج متلاطمة من البشر، من كل اتجاه، وبدأ الزحام يضغط علىّ، وقلت لنفسي الحمد لله أنني أحج قبل أن أوغل في العمر أكثر، وما تزال لدي القدرة على الاحتمال، كان بجواري رجل يحتضن أمه، أظنها كانت قد ماتت، لم أعرف أبدا، ففي اللحظة التالية جاءت موجة هادرة سحقتني سحقا، وبدأت أفقد الوعي فتلوت الشهادتين، لكن موجة أخرى ألقت بي خارج دائرة الزحام، هرعت بعيدا، نحو السور، وفي مسافة لا تتجاوز عشرة أمتار سقطت على لأرض أربعة مرات، وكنت أقاوم الإغماء، ويعلم الله أنني كنت أوثر الصمت، لكنني شعرت أن ذنب الحجاج في عنقي إن لم أجهر بما رأيت، لا يحتاج الأمر إلى منشآت جديدة ولا إلى تكنولوجيا معقدة، بل إلى شرطة تعبد الله لا الملك، وتطيع القرآن والسنة لا منشورات من المؤكد أن مرجعيتها النهائية في المخابرات الأمريكية، شرطة لا تعامل الناس بتعال وازدراء وقسوة واستهانة