فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 868

ويتردد إذا رأى خصمه مسلحًا مثله ويستطيع أن يرد على الاعتداء بالاعتداء؛ والمصارع والملاكم لا يتحدى أيهما شخصًا يعلم أنه أكثر قوة أو مرانًا أو جلدًا ولكنه يتحدى بسهولة من يظنه أقل منه قوة وأضعف جلدًا.

تلك هي طبيعة البشر وضعت الشريعة على أساسها عقوبة القصاص، فكل دافع نفسي يدعو إلى الجريمة يواجه من عقوبة القصاص دافعًا نفسيًا مضادًا يصرف عن الجريمة، وذلك ما يتفق تمام الاتفاق مع علم النفس الحديث. والقوانين الوضعية الحديثة تعترف بعقوبة القصاص ولكنها تطبقها على جريمة القتل فقط، فتعاقب بالإعدام على القتل ولكنها لا تعاقب بالقصاص على الجراح، وتكتفي في عقاب الجارح بالغرامة والحبس أو بأحدهما" [18] "

الشريعة الإسلامية كانت منطقية:"ولا شك في أن الشريعة الإسلامية حين سوت بين القتل والجراح في نوع العقوبة كانت طبيعية ومنطقية. أما القوانين الوضعية فقد باعدت بين نفسها وبين المنطق وطبائع الأشياء حين فرقت في نوع العقوبة بين هاتين الجريمتين، ذلك أن جريمتي القتل والجرح من نوع واحد وينبعثان من دافع واحد، فالجريمتان نوعهما واحد وأصلهما الجرح، وعقوبتهما من نوع واحد وهو القصاص، وإحدى الجريمتين تنتهي بقتل المجني عليه وعقوبتها قتل المجرم، والجريمة الثانية تنتهي بجرح المجني عليه وعقوبتها جرح المجرم، وهذا هو منطق الشريعة الدقيق وفنها العميق الذي لم يصل إليه القانون بعد والذي قد يصل إليه بعد حين طويل أو قصير ولكنه سيصل إليه دون شك؛ لأن الأساس الأول في الشرائع على العموم هو المنطق، وما دامت القوانين تعترف بعقوبة القصاص وتطبقها في جريمة القتل، وما دام المنطق يقضي بأن تطبق هذه العقوبة على جريمة الجرح أيضًا، فلا بد من أن تخضع القوانين لهذا المنطق الذي أخذت بأسبابه واعترفت بمقدماته" [19]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت