في بوتقة واحدة تُسمى الإسلام، ولذلك لما قال الله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} اللهُ يخاطب الإنسانية ويخاطب البشرية بأنّ هذه كلها مصهورة في بوتقة اسمها الإسلام، والدليل على ذلك أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يبين أنه لا حصانة لعربي ولا لعجمي إلا بالتقوى، لا فضل لعربي على أعجمي ولا أحمر على أبيض ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى، هكذا كان المقياس ولذلك قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (سلمان منا آل البيت) ، وسلمان كان رجلًا فارسيًا.
حتى إن الإسلام أزال هذه العصبيات التي كان العربي القديم لا يقبلها، كان هؤلاء قديمًا يقول كما قال قائلهم: لا يسألون أخاهم حين يَندُبُهم ... في النائبات على ما قال برهانًا
كانوا يتقاتلون لمجرد أن الرجل كان من نفس القبيلة سواء كان هذا القاتل ظالمًا أو مظلومًا، وكانت القبيلة ذات الشرف كانت تطالب القبيلة الضعيفة بأن الرجل إذا قُتلت منهم امرأة يطلبون رجلًا في مقابلها، وكانوا يشتطَّون لدرجة -كما تعلمون- الحروب التافهة التي استمرت أكثر من أربعين سنة مثل حرب البَسُوس وغيرها.
هذه الحروب وهذا الرَّمم التاريخي، وهذه الرِّمم أحيتها القومية الحديثة أو ما يسمى القوميُّون، أحيوها من جديد بحجة أن العرب كانوا ذوي حضارة وكانت لهم سيادة وكان لهم تاريخ قبل الإسلام، يقصدون ذلك قبل الإسلام. رغم أن الله -سبحانه وتعالى- يُكذِّب هذه الدعوة ويدحضها؛ انظر إلى قول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} ، الله حكم وقال: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} فأي حضارة يقصدون؟ وكان هؤلاء في أعين الفرس والروم وحتى الصين وغير ذلك من الحضارات القديمة كانوا ينظرون إليهم باحتقار، وكان أقصى ما وصل إليه العربي من ترف ومن زخرف كان ترفًا خشنًا ترفًا بسيطًا، هؤلاء المَنَاذِرة الذين كانوا عملاء أو كانوا عينًا للفرس، وهؤلاء الغَسَاسِنة الذين كانوا أيضًا عينًا يحمون قوافل الروم، هؤلاء كانوا يحمونهم من بني جلدتهم، وكان هذا أقصى أنهم في نعال الأمم، وكانوا عبارة عن خدم وعبيد لما يُسمى بهذه الإمبراطوريات الكبيرة في ذلك العصر.