وانتصروا من بعد ما ظلموا) يريد شعراء النبي صلى الله عليه وسلم الذين ينتصرون له، ويجيبون المشركين عنه، كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة. وقد قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (هؤلاء النفر أشد على قريش من نضح الإبل) وقال لحسان بن ثابت: (اهجهم ـ يعني قريشاً ـ فوالله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام، في غلس الظلام، اهجهم ومعك جبريل روح القدس، وألقَ أبا بكر يعلمك تلك الهنات) .. فلو أن الشعر حرام أو مكروه ما اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم شعراء يثيبهم على الشعر، ويأمرهم بعمله، ويسمعه منهم. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: (لأن يمتلئ جَوْفُ أحدكم قَيْحاً حتى يَرِيَهُ خير له من أن يمتلئ شعراً) فإنما هو من غلب الشعر على قلبه، وملك نفسه حتى شغله عن دينه وإقامة فروضه، ومنعه من ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، والشعر وغيره ـ مما جرى هذه المجرى من شطرنج وغيره ـ سواء. وأما غير ذلك ممن يتخذ الشعر أدباً وفكاهة وإقامة مروءة فلا جناح عليه وقد قال الشعر كثير من الخلفاء الراشدين، والجِلّةُ من الصحابة والتابعين، والفقهاء المشهورين"."
وقد بلغ من شغف علماء السيرة والتاريخ بالشعر أنهم أكثروا من ذكر الإستشهاد بأبيات لكثير من الشعراء وقد كان محمد بن اسحاق ت 151هـ أول من تنبه لأهمية الشعر ومكانته في دراسة السيرة النبوية حيث كان ينقل عقب كل موقعة ما قيل فيها من شعر، نجد ذلك واضحاً في غزوة بدر سنة 2هـ، وعقب غزوة أحد 3هـ وغزوة الخندق 5هـ ونجد أطرافاً من هذا الشعر في فتح مكة 8هـ بالإضافة إلى شعر الوفود والقبائل التي جاءت تعلن إسلامها.
ثم يأتي أبو محمد ابن هشام ت 218هـ ليهذب سيرة ابن اسحاق ويحذف منها أشعاراً كثيرة لم يثبت سندها لديه .. فتخرج السيرة بثوبها المطبوع حالياً لدرجة أنها تنسب إليه فنقول: سيرة ابن هشام .. ورغم ما قام به ابن هشام من حذف لكثير من الشعر إلا أنه أثبت أيضاً كثيراً من الشعر وخاصة عقب الغزوات والسرايا ..
كما نلاحظ أن ابن جرير الطبري ت 310 هـ في تاريخه قد أكثر من الإستشهاد بأبيات من الشعر قبل وبعد الإسلام وتاريخه مفعم بشعر المعارك والملاحم وشعر المراثي والهجاء كل ذلك مبثوث في تاريخ الطبري في أبواب متفرقة ..
ثم تمضي عدة قرون فيخرج لنا الحافظ السهيلي ت 581 هـ كتابه الماتع (الروضُ الأُنُف) وهو شرح لكتاب سيرة ابن هشام حيث يقوم السهيلي بشرح أبيات الشعر وتفسير غريب الكلمات مع التعليق على بعض الحوادث فكان أشبه بموسوعة ففي السيرة النبوية بل