فهذه الشبهة لم يكن المنافقون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يجرؤون - لو كان حالهم مثل حالنا اليوم - لم يكونوا يتجرؤون التفوه بها، لأنهم يعلمون بأنها لا يقبل بها عاقل، فضلا عن مسلم، ولكن منافقي اليوم ذهبت عقلوهم، وفاقوا منافقي الأمس بالنفاق، فأصبحوا يتفوهون بما لا يُقبل عقلا.
فدفع الصائل - مهما كان أمر - لا يخالف فيه كائن حي، حتى الحمر والخنازير تدفع عن نفسها، وهؤلاء المنافقين يريدون من المسلمين إذا صال عليهم صائل؛ أن ينتظروا حتى يحققوا الراية، أو يضعوا إمام، ومتى ما تم ذلك عندها عليهم أن يقاتلوا! فأي عقول أسخف من هذه العقول، أليس البهائم أسد عقلا من هؤلاء، فهؤلاء هم الذي قال الله عنهم: {وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} ، وقال: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} .
و نفى الفقه عن هؤلاء في عدة آيات، فقال: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون} ، وقال: {رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} ، وقال: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} .
و ما استحال عقلا؛ لا شك أنه ممتنع شرعا، ولو شئنا جمعنا من الأدلة ما لا يحصر إلا بكلفة ما يدل على أن هذه الشبهة هي من بدع هذا العصر، أحدثها منافقي هذا العصر لدفع المسلمين عن جهاد أولياؤهم من الكفار الأصليين والمنافقين.
ثم يقال لهم؛ ما المراد بوضوح الراية؟! هل المراد معرفة حقيقة العدو المراد قتاله؟! أم ما هو المراد من القتال أم وجود إمام لقتاله؟!
-أما العدو؛ فهو ظاهر، كافر أصلي صال على بلاد من بلاد المسلمين فأحتلها وسام أهلها العذاب فقتل رجالها وأغتصب نسائها وأنتهب ثرواتها.
-وأما المقصد من ذلك؛ فهو إخراج الكافر من ديار المسلمين، والمقصد هذا واضح لا يخالف فيها حتى الكفار الأصليين الصائليين، فهم يعرفون أن المجاهدين يقاتلونهم من أجل نصرة دين الله تعالى والحفاظ على بلاد المسلمين وإخراج الكفار منها.
ولكن هذا المقصد خفي على المنافقين، فأصبحوا يطعنون في نيات المجاهدين وفي رايتهم وأن الجهاد ليس المقصود به نصرة الدين وإنما اختلط به بعض الأهواء! وهذا في