أولاهما؛ تجربة السجن ورحلة العذاب المرير، وقد ذاق ورأى خلالها بأمّ عينيه كيف تُنتهك الكرامة وتُغتال العفة، وكيف يُصبُّ العذاب صبًّا على الأجساد الطاهرة للشباب المتوضئ، {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} ، فكانت تجربة قاسية بكل معنى الكلمة نسأل الله أن يجعلها في ميزان الحسنات.
وثانيهما؛ هي تجربة الجهاد بعد أن يسّر الله الطريق لإرتقاء قمم الجبال واللحاق بميادين القتال، وبعد أن منّ الله سبحانه بجوده وكرمه على العبد الضعيف فاستعاض بمعسكرات المجاهدين المتناثرة وبأرض الله الواسعة عن ضيق الزنازن وظلمة السجون، واستعاض بامتشاق السلاح واستنشاق روائح البارود عن ذلّ الأغلال والقيود.
فهو بعد هاتين التجربتين يزعم ويحسب أنه بإمكانه أن يكتب هذه الرسالة نصحا وإعانة لإخوانه وأحبابه ممن أُفرج عنهم ليُقرّروا القرار الصائب وهم أمام المفترق الصعب.
وهو يعلم مسبقا أن رسالته هذه لن تعدو أن تكون رسالة ودعوة وحيدة يتيمة أمام رسائل أخرى عديدة ودعوات مختلفة مُضادّة أهمّها:
دعوة الطواغيت وهم يُرغِّبُون ويُرَهِّبون؛
يرغِّبونك أخي الحبيب بأن تتنازل عن مبادئك مقابل لُعاعة من الدنيا، ويرهبونك بأن يفعلوا ويفعلوا إن أنت أصررت على الحق الذي حملته، وقد يساومونك أيضا لتختم سجلّك الناصع بصفحة سوداء تجُبّ ما قبلها وتأتي على الأخضر واليابس من بستان أعمالك فتُصبح وليا للشيطان بعد أن كنت وليّا للرحمن.
وهناك دعوة الأهل والزوجة والأبناء؛
وهم من الفتنة، وسيحاولون اقناعك واستعطافك، فقد ضيعت زهرة أيامك وعليك بطيِّ صفحة الماضي والتطلع للمستقبل، وعليك بأن ترحم أولادك الذين افتقدوك لسنوات، وقد قدّمت ما عليك وآن الأوان لأن تُريحنا وتُريح نفسك، وعليك ... وعليك ...
وهناك - وما أدراك ما هناك - دعوة المنافقين والمخذّلين؛