فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 464

والأمر لا يحتاج لجهد كبير لتمييز العلماء الصادقين من علماء السلاطين، فالعلماء الصادقين بيوتهم إما مغارة في جبل، أو زنزانة في أحد سجون الظلم والطغيان، أو في حفرة تحت الأرض اختاروها بأنفسهم، على أن يعيشوا في القصور مقابل تنازلهم عن دينهم وثباتهم على مبادئهم، لكن في المقابل نجد علماء السوء، ارتضوا بالحياة الدنيا عن الآخرة، ولازموا بيوت الحكام والسلاطين، قال حذيفة رضي الله عنه:"إذا رأيتم العالم بباب السلطان فاتهموا دينه، فإنهم لا يأخذون من دنياهم شيئًا أخذوا من دينهم ضعفه"، كيف لا نميز بين من ابتلي وعذب واضهد وقتل وبين من يعيش في دعة وراحة، كل همهم هو دعوة الناس لعبادة الله، وأي عبادة هذه التي يدعون إليها ' إذا لم تتضمن الجهاد في سبيل الله.

عجبتُ لمبتاع الضلالة بالهدى ... ومن يشتري دنياه بالدين أعجبُ ...

وأعجبُ من هذين من باعَ دينَه ... بدنيا سواه فهو من هذين أعجبُ

يا علماء السوء كيف تريدون منا أن نثق بكم، ولا يمنعكم مانع من السفر لأي دولة تريدونها، كيف تريدون منا أن نثق بكم وأنتم لم تُقتلوا ولم تُسجنوا ولم تُعذبوا ولم تُطاردوا، فنحن لم نعرف طريق الدعوة مفروشا بالورود والرياحين، بل نعرفه مفروشا بالأشلاء وبرائحة المسك التي تفوح من دماء الشهداء.

نعرف طريق الدعوة تضحية وابتلاءً وثباتا، ولنا في أنبياء الله أسوة حسنة، فمنهم من قُتل ومنهم من سُجن ومنهم من عُذب ومنهم من شُرِد، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة الذي رُمي بالحجارة، وسالت الدماء من جسده، والذي قاد المجاهدين بنفسه في الحروب والغزوات، ولنا في صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، ولنا في التابعين والسلف الصالح أسوة حسنة.

وما منكم أحد أيها العلماء يجهل ما حل بالأمام أحمد بن حنبل من محنة وابتلاء، الذي رفض الدنية في دين الله عز وجل، وثبت وصبر واحتسب مصيبته عند الله عز وجل، وسبب محنته أن المأمون الخليفة العباسي ابن هارون الرشيد كان يقول: إن القرآن مخلوق، وكذب على الله، فالقرآن كلام الله عزوجل، والله يتكلم بما شاء متى شاء، لم يزل متكلمًا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، يقول عز من قائل: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْر] الأعراف:54 [، فالأمر هنا: القرآن، فقال هذا الخليفة: إن القرآن مخلوق.

واستخدم السيف ليثبت هذه القضية في الأمة، وقتل ما يقارب ألفًا من من علماء الأمة .. من زملاء الإمام أحمد، وملأ بهم السجون، فبعضهم أجاب خوفًا من السيف،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت