فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 464

جماهيرهم حين يعلمهم بان الله قد فرض عليهم القتال فيكون منهم النكوص.

ويشاء الله تعالى أن يجعل لطالوت كرامة يزيد فيها من رصيده في القلوب وقبوله في النفوس وليطوع له الرقاب، فتكون آية ملكه وعلامة اصطفاء الله إياه أن يأتي التابوت إلى قومه بني إسرائيل تحمله الملائكة _ وهو صندوق فيه بعض آثار لما تركه آل موسى وآل هارون يبدو أن بني إسرائيل فقدوه في إحدى معاركهم التي هزموا فيها.

وكأن رب العزة يجعل في هذا الزمان آيات وكرامات للناس في ارض الإسراء لتكون دليلًا وآية على ملك الفئة المؤمنة واصطفائها لقيادة المسيرة الجهادية، ومن اظهر هذه الآيات ما يحققه تعالى على أيدي الصادقين من إثخان في العدو، إضافة إلى استمرارهم في الجهاد وتوقف غيرهم .. فإن ما كان لله دام واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل.

اختبار وتمحيص:

ويدرك طالوت أن في جيشه من التحق به خجلًا أو بدون إيمان واقتناع، وان فيهم المنافقين ومرضى القلوب وضعاف النفوس الذين إذا كانوا في الجيش زادوهم خبالًا ... فكان لا مناص من استثنائهم ... ويقف طالوت خطيبًا بالجند فيعلمهم أن الله مختبرهم بنهر فمن شرب منه فليس من طالوت وليفارق الجيش وأما من يصبر ولم يشرب أو شرب غرفة بيده فهو فقط الذي يسمح له بالاستمرار.

إن من لا يصبر على الماء لا يرجى منه أن يصبر إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق ... والذي لا يطيع قائده في الأمر الصغير فلن يطيعه في الأمر الكبير ... ومن هنا تلجأ الحركات الجهادية إلى طلب بعض التكليفات للجماهير أمرًا أو نهيًا لقياس مدى استجابة الجماهير لها ولقياس طاقة وإمكانيات وقدرات تحمل الشعب في الخطوات القادمة كما في الإضرابات وأيام المواجهة والصيام وغيره ... وتحكي الآيات نكوص أكثرية الجند وقعودهم إذ شربوا من النهر ... ولا يبقى مع طالوت إلا اقل القليل وينظرون إلى أنفسهم فيستصغرونها أمام جحافل جالوت بعددهم وعُددهم ويقولون"لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده"... فلو تأخر القتال كي نزيد عددنا وعتادنا، فيرد عليهم الذين يظنون انهم ملاقو الله"كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين"فيذكرونهم بالقانون الرباني بأن النصر ليس بكثرة العدد والعتاد، وإذا أذن الله لفئة بالنصر فإنها تغلب الفئة الكثيرة والله مع الصابرين ... إن موازين الدنيا كلها ليست هي التي تحدد المنتصر من المنهزم، ولكن مشيئة الله هي التي تقرر ذلك وبالتالي فلا نصر لمن لم يرد الله نصره ولو كان معه كل القوى العظمى في العالم، ولا هزيمة لمن أراد الله نصره ولو اجتمعت ضده كل القوى الباغية.

وحين يلتقي الجيشان يتوجه المؤمنون إلى الله أن يفرغ عليهم صبرًا ويثبت أقدامهم وينصرهم"على القوم الكافرين"فهم لم ينسوا حتى في اشد حالات الهول أنهم يقاتلون لجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الكفار هي السفلى .. إن القضية إذًا ليست إزالة كافر أجنبي عن حكم الأوطان ثم استبداله بكافر وطني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت