آخر الآية إذ قال: {وأنّ اللّه مع المُؤمنين} ، فهل يُهزمُ أخي المسلم الكريم من كان اللهُ معهُ وناصرهُ؟ لا، نعم ... لا، ويُحقّقُ لنا هذا الأمر جليًا رسولُنا الكريم صلى الله عليه وسلم لمّا كان في الغار عن أبي بكرٍ رضي الله عنهُ قال: (قلتُ للنبي صلى اللهُ عليه وسلم وأنا في الغار: لو أنّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ما ظنُّك يا أبا بكرٍ باثنين اللهُ ثالثهما) [1] ، أي يا أبا بكرٍ إذا كان اللهُ ثالثُنا فكيف نخافُ؟! فوصلت الرسالةُ إلى أبي بكرٍ، ويا ليتها تصلُ إلينا اليوم.
ولكن أين الأخذُ بالأسباب لجلب النًّصر:
قال شيخُ الإسلام: (وكذلك من ترك الأسباب المشروعة، المأمور بها أمرُ إيجابٍ، أو أمرُ استحبابٍ من جلب المنافع أو دفع المضار قادحُ في الشّرع، خارجٌ عن العقل) [2] أهـ
فمن هُنا لا يمكنُ تركُ الأسباب بل لا بُدّ منها، وبالمقابل لا يجوزُ الاستغناء بالسبب عن التّوكُّل.
قال شيخُ الإسلام رحمهُ اللهُ تعالى: (فمن ظنّ الاستغناء بالسّبب عن التّوكُّل، فقد ترك ما أوجب اللّهُ عليه من التّوكُّل , وأخلّ بواجب التّوحيد , ولهذا يُخذلُ أمثالُ هؤُلاء) [3] أهـ
وهُنا مفهومٌ يجبُ أن يصحح وهو أنّ الله أمر بسببٍ مُستطاعٍ من القوّة للنُصرة، ولا تُكلّفُ فوق حدّ الاستطاعة فقال: (وأعدُّوا لهُم ما استطعتُم من قُوّةٍ ومن رباط الخيل) .
قال ابنُ جريرٍ الطبري رحمهُ اللهُ تعالى: (ما أطقتُم أن تُعدُّوهُ لهم من الآلات التي تكونُ قوّةٌ لكم عليهم من السّلاح والخيل) [4] أهـ
فلا يلزمُ أن تكون القوّةُ مُتكافئةٌ أبدًا، ولا العددُ، وهذا معلومٌ وظاهرٌ عند من عندهُ أدنى علمٍ بشرعة ربّ الأرباب، فلذلك قال اللهُ لموسى: {اضرب بعصاك البحر فانفلق} ، وإلا ما يفعلُ عصا مُوسى في البحر؟! ولكن هو فعلُ السبب والأمرُ لله والنّصرُ منهُ، وقال عيسى عليه السلامُ لأُمّه: {وهُزّي إليك بجذع النّخلة تُساقط عليك رُطبًا جنيًّا} ، فما تفعلُ امرأةٌ في المخاض بجذع نخلةٍ؟! وتأمل أخي القارئُ الكريم جيّدًا كل هذه الأسباب هي أقلُّ
(1) صحيحُ البُخاري ج3/ص1337
(2) توحيدُ الألوهية ج8/ص177
(3) مجموعُ الفتاوى ج18/ص179
(4) تفسيرُ الطبريُ ج10/ص29