قال صاحبُ التسهيل: (فلم تقتُلُوهم أي لم يكن قتلهم في قُدرتكم لأنّهم أكثر منكم وأقوى، ولكن الله قتلهم بتأيّيدكُم عليهم) [1] أهـ
وقال ابنُ كثيرٍ: (أي ليس بحولكم وقوّتكم قتلتُم أعداءكم مع كثرة عددهم، وقلّة عددكُم، أي بل هو الّذي أظفركم عليهم، كما قال: {ولقد نصركُمُ اللّهُ ببدرٍ وأنتُم أذلّةٌ} ) [2] أهـ
وقال اللهُ: {قاتلُوهُم يُعذّبهُمُ اللّهُ بأيديكُم ويُخزهم وينصُركُم عليهم ويشف صُدُور قومٍ مُؤمنين} ، هُنا الأمرُ بالقتال سببٌ فقط، ولكن العذاب من الله بأيدي المُؤمنين، ووعد بالنّصر عليهم، فأين العُقلاءُ من هذه الآيات البيّنات؟!
قال شيخُ الإسلام: (فبيّن أنّهُ المُعذّبُ، وإنّ أيدينا أسبابٌ وآلاتٌ وأوساطٌ وأدواتٌ في وصول العذاب إليهم) [3] أهـ
كيف النّصرُ:
النّصرُ ليس بكثرة عددنا، ولا بعظيم عُدّتنا، ولا بمُناصرة الملائكة لنا، النّصرُ من الله قال اللهُ: {وما النّصرُ إلّا من عند اللّه} ، فلذلك أراد اللهُ أن يُبيّن لنا الأمر في غزوة بدرٍ لمّا اشتدّت الاستغاثةُ بالله أنزل اللهُ تعالى: {إذ تستغيثُون ربّكُم فاستجاب لكُم أنّي مُمدُّكُم بألفٍ من الملائكة مُردفين} ، فمدّهم اللهُ بهذا العدد، ولكن عقّب عليهم ليُخبرهم بأمرٍ غايةٌ في الأهمية، وهو أنّ هؤلاء الملائكةُ أمددناكم بهم بُشرى لكم، ولتطمئن قُلوبُكم بهم فحسب، أمّا النّصرُ فهو من عند الله فقال: {وما جعلهُ اللّهُ إلّا بُشرى ولتطمئنّ به قُلُوبُكُم وما النّصرُ إلّا من عند اللّه} ، بل أكدّ اللهُ لنا هذا الأمرُ في درسٍ جليٍ في غزوة حُنينٍ فقال لقد نصركُمُ اللّهُ في مواطن كثيرةٍ ويوم حُنينٍ إذ أعجبتكُم كثرتُكُم فلم تُغن عنكُم شيئًا ... ، فبيّن لنا أنّ النّصر ليس بالكثرة، وزاد الأمرُ تأكيدًا في سُورة الأنفال فقال: {ولن تُغني عنكُم فئتُكُم شيئًا ولو كثُرت وأنّ اللّه مع المُؤمنين} .
وتأمل أخي القارئُ الكريم كيف أطلق اللهُ الكثرة ولم يُقيّدها بعددٍ! تأمل جيّدًا، ولا تُغادر هذه الآية الكريمة حتى تشبع منها، وما ذاك إلا بسببٍ واحدٍ، وهو ما ذكرهُ اللهُ في
(1) التسهيلُ لعلوم التنزيل ج2/ص63
(2) تفسيرُ ابن كثيرٍ ج2/ص296
(3) مجموعُ الفتاوى ج8/ص390