فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 464

إن أي منهج يراد له السيادة، ويسعى أهله للتمكين، لابد له من فكرة تمثل الأساس الذي يقوم عليه والركيزة الأولى التي يعلو عليها البناء ويزدان، واللبنة الأم التي تحمل البناء الثقيل الذي سيزداد عبؤه مع طول الطريق، ولابد له كذلك من قاعدة أخلاقية يستند عليها بها يصير البناء متينًا قويًا متحاميًا من آفاته الذاتية مستعصيًا على معاول الهدم الخارجية، فيكتسب حصانة تؤهله للبقاء وتمده بروح الحياة. فيرتفع بهدوء وسلام، ويعلو في ثقة وثبات.

إن الأساس الفكري يمثل معرفة الطريق، والقاعدة الأخلاقية هي التي تحفظ المسير على هذا الطريق وليست معرفة الطريق بكافية لسلوكه وبلوغ المقصد، كما أن سلوكه على غير معرفة ضرب في عماية وتغرير بقاصديه ونقض لأصل السلوك.

وإنه من اليسير على المرء أن يدرك علاقة التلازم بين الفكرة والأخلاق، وإن هذه الوشيجة بينهما هي سر الجمال وينبوع التأثير الذي ما إن تنفك عروتها إلا وعاد ذلك بالضرر على المنهج إنه يمكننا تشبيه العمل الإسلامي عندما يخلو من القاعدة الأخلاقية اكتفاءً بالأساس الفكري ببيت أراد صاحبه أن يوطد دعائمه ويعلي جدرانه ويحسن بنيانه فشرع في ذلك فحفر محل الأساس في الأرض ووضع حجارته وأقبل يهيئ لها ورتب أوضاعها وألف بينها بمادة اسمنتية قوية ثم توقف عند هذا الحد واكتفى بهذا القدر فماذا تكون النتيجة.

وما هو مآل هذا الأساس؟

إنك تمر عليه بعد فترة من الزمن وقد بدأت حجارته تتآكل بفعل عوامل كثيرة فحجر قد سقط من هنا وحجر قد نشز من هناك، والمادة الاسمنتية التي تربط هذه الحجارة لم تسلم من التآكل والتفتت كذلك، وصار منظر هذا الأساس موحشًا منفرًا بل صار في قذى العين بعدما كان يروقها فإذا مر عليه زمان أطول من ذلك قد يتمنى المرء زواله رثاء وشفقة على صاحبه وعلى الناس، بل حرصًا عن أن يفتتن بعض الناس ممن يتسرعون في إصدار الأحكام فيسارعون بدمغ أصل الفكرة والاستهجان بقواعد المنهج، وقد يصل الحال ببعضهم حينما يرى هذه الحالة المنفرة في صورة التشبيه الذي ضربناه فيتصور عدم الحاجة إلى أساس في بنائه فيروح يبني بيته في الهواء ويتعب نفسه في تحسينه وتزيينه وليس الأمر كما يظن هذان الفريقان، فدين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه. {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا} .

فالتعويل دومًا على الأفكار دون حفظها بالأخلاق الحميدة وسقيها بماء العبودية ورعايتها بجميل السلوك وإحاطتها برائق الشمائل وإمدادها بنقاء القدوة وروعتها الأخاذة.

لاشك أنه هذا التعويل ضرب من الحماقة إذ أنه إضرار بنفس الفكرة لوكان صاحبها يغار عليها حقًا ثم إنه تنفير للناس عنها وهي فتنة للجهال وتضليل للأغرار، وثغرة ينفذ منها مرضى القلوب وأصحاب الأغراض للتشكيك في ذات المنهج وأصله، وكذلك فإنها فرصة أتيحت مجانًا للأعداء لتشويه صورة المنهج الجميلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت