وفي المقابل فإن التهوين من شأن الأفكار لهو ضرب من العبث ونوع من التهاون ولو بدا لصاحبه بادي الرأي أن الأمر هين بسيط إذ سرعان ما يتجرع مرارة تهاونه ولا يلبث أن يتهاوى بنيانه وكلا الصورتين خطر جسيم وانحراف عن الجادة وتوغل في الخطأ لا يمكن بحال أن يقر عليها صاحبه ولا أن يُسكت عليه اعتبارًا وانطلاقًا من المفهوم الصحيح لهذا الدين
وهنا يحسن بنا أن نوجه الأنظار إلى صنيع علماء السلف رضي الله عنهم أجمعين في إدراجهم لجملة الأخلاق المرعية وذكرهم لأهم مسائل السلوك ضمن مصنفاتهم في موضوع العقيدة والإيمان وعلى سبيل المثال ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله في آخر الواسطية حيث قال مبينا صفات أهل السنة والجماعة:
(ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة ويرون إقامة الحج والجمع والأعياد مع الأمراء أبراز كانوا أو فجارا، ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه"وقوله صلى الله عليه وسلم"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"ويأمرون بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمر القضاء. ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ويعتقدون معنى قوله صلى الله عليه وسلم"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا"ويندبون إلى أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك، يأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام وحسن الجوار والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق. ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفسافها، وكل ما يقولونه ويفعلونه من هذا وغيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة) أ. هـ
وينظر كذلك ما ذكره الشيخ أبو إسماعيل الصابوني رحمه الله في رسالته اعتقاد السلف أصحاب الحديث ولم ننقله خشية الإطالة وغير ذلك مما دونه علماؤنا الكرام في هذا الباب، فإذا علمنا هذا دل ذلك دلالة قاطعة على أن التفرقة بين العقيدة والسلوك والتوحيد والأخلاق إنما هي تفرقة جائرة ناشزة حدثت على أيدي بعض المتخلفين عن منهج السلف السوي المستقيم.
أهل المنهج هم أهل الأخلاق:
إن أصحاب الدعوة وأهلها المتصدرين لها هم أصحاب الأخلاق الفاضلة والسجايا الرائقة والشمائل الزكية وهم الداعون إلى ذلك بقولهم وفعالهم ولنعتبر بحال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم {وإنك لعلى خلق عظيم} .
{هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} ، وابعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة