ظلم الآخرين وبطشهم، ولكن كل هذا بشرط عدم تجاوز الأمر الكلام والهتافات، أما الأفعال والمشاغبات، بمفهوم المنهزمين، فممنوعة بطرق عدة، إما بإقفال الحدود أمام المجاهدين وإما عن طريق الاستخفاف بمفهوم الجهاد الذي تحاول بعض وسائل الإعلام تشبيه الداعين إليه بالأطفال الذين لا يملون من لعبة"بيت بيوت"، تلك اللعبة التي تُشعر اللاعب بها بأنه بطل حقيقي فيتحمس ويصرخ ويندد، ولكنه بعد انتهاء الوقت المحدد للعبته يعود إلى واقعه وبيته وكأن شيئًا لم يكن.
أما المسكين الآخر فهو أيضًا ذلك المسلم الذي يعود إلى نفسه في لحظة من لحظات صفاء فطرته فيبحث في الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة عن دلائل النصر التي وعد بها الله عز وجل، ويستغرب سبب تأخر هذا النصر مع وجود كل هذا الظلم والمعاناة التي تحيط بالمسلمين اليوم.
إن هذا المسكين قد نسي أو جهل أو أغفل أسباب النصر التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والتي ربطها الله عز وجل بالعمل الجاد وإخلاص النية وبذل النفس والمال وما إلى ذلك من الأعمال التي لا يمكن أن يتم من دونها نصر أو مدد ولو استغرق الظلم قرونًا عدة.
لقد أدرك السلف الصالح أسباب النصر ودواعيه وعملوا منذ اللحظة الأولى التي أعلنوا فيها إسلامهم على التقيد بأسبابه، ومع ذلك ابتلاهم الله عز وجل في بعض الأحيان بتأخير لحظة النصر حتى يمتحن صبرهم ويقينهم بالله عز وجل حتى إذا استيئسوا جاءهم النصر.
وكلنا يذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألست برسول الله؟) .
قال: (بلى!) .
قال: (أو لسنا بالمسلمين؟) .
قال: (بلى!) .
قال: (أو ليسوا بالمشركين؟) .
قال: (بلى!) .
قال: (فعلام نعطى الدنيَّة في ديننا؟!) .
قال: (أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيّعني) .
وإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم مع ما هم عليه من مرتبة رفيعة، قد ابتُلوا بتأخير النصر، فكيف بالمسلم اليوم الذي قد يصل به الجهل بدينه وأحكامه أن لا يرى في القرآن الكريم إلا آيات تتلى في مناسبات الموت والعزاء، وأن لا يرى في أحكام القرآن وحدوده إلا تخلفًا وتقهقرًا كان لهما اليد الطولى - بزعمه - فيما وصل إليه المسلمون من انهزام وذل.
وكذبوا والله، فلا عز إلا بالإسلام، ولا ذل إلا بالنفاق والرياء اللذان باتا من الشعارات التي يرفعها بعض المسلمين اليوم بدون حياء أو خجل، مدعين خدمة الإسلام وتنقيته من الشوائب التي يحاول بثها بعض أبنائه الرجعيون، بينما هم في الحقيقة يدعون إلى نسيان القرآن وهجره وترك أحكامه وإبطال حدوده.
ويستغربون. . . ويستغربون. . . لماذا يبطئ نصر الله عز وجل الذي وعد عباده به؟