وذلك شأن تقصر دونه الهيئات الرقابية، وبرامج المتابعات والرصد الحسابية، وجهات الضبط القضائية ... إلى آخر وسائط مراقبة الظاهر، والتي لا يصعب الالتفاف حولها، والتحايل على تجاوزها والإفلات من إداناتها.
3)وأن كل نفس معلقة بكسبها، فليس يضرك - إن اتقيت اللهَ - أن يفجر الناس، (ولا تزر وازرة وزر أخرى) [4] ، (وأنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إلا مَا سَعَى) [5] ... فكل امرئٍ مقبل على ما قدم، (إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [6] .
وكما أن للمراجعات أصولًا ذكرتها في موضعها!
فإن للتصويب أصولًا كذلك:
أولها: أن كل تصويب لما هو من مسائل موارد الاجتهاد وارد عليه التصويب، فلا ينبغي الاعتقاد بأنه المنتهى الذي لا يراجع ولا يسع الناس مخالفته.
ثانيها: أن الحق واحدٌ في نفسه، وإن تعددت الأنظار وتباينت الآراء وتفاوتت الاجتهادات، وإنما يقع التفاوت في إصابة الحق من جهات؛ المنظرين، وتنظيراتهم، ومدى إلمامهم بالوقائع والمآلات.
فتوفيق الله لعبده، وقدرات المجتهد العلمية، وتحريره لمواضع النزاع، وموضوعيته وإنصافه، ورصانة بحثه ودقته، واستقصاؤه لأطراف المسألة وأدلتها، وقوة ملكته في استخراج الدلالات، مع صفاء ذهنه، وخلوه من الصوارف، واستعلائه على الضغوط المعنوية والنفسية، والمادية والجسدية على السواء ... كل ذلك - وغيره مما هو مذكور في موضعه من علم الإصول - له تأثيره في اختلاف الأنظار.
ثالثها: المُفترضُ فيمن عنَّ له أمرٌ من التصويب أو التصحيح؛ أن يتحرى آراء الثقات من أهل العلم، وأن يراجع مسائله مع مشورة خيِّرَةٍ منهم، لا أن ينفرد بالنظر مع تقدير احتمال خطئه مجددًا، وذلك ما لا يمكن استبعاده.
وجدير بالتنبيه والتنويه: أنه ليس يتحقق مبدأ الشورى إذا اقتصر على مجالسنا التنظيمية المحدودة، فيُبت في أمور ملمة ومصيرية دون إشراك عموم أهل الحل والعقد من علمائنا الثقات بحسب الإمكان، ولو على سبيل الاستئناس.
رابعها: أن تأتي المسائل المتراجع إليها على نحو من التحقيق العلمي مكافئ لنظيره في المسائل المتراجع عنها، ما لم يكن أدق تحريرًا وأقوى دليلًا، فكيف إذا جاء على العكس من ذلك تهافتًا في الدليل واعتسافًا للدلالة؟!
خامسها: أن لا تكون الصياغات موهمة حمالة، ولا سيما في المواضع محل التصويب، وكذا التي يمكن أن يلتبس فيها الثابت بالمتغير.
وهاهنا نكتة هامة: فمن الخطأ أن نجعل التراجعات مقابلًا للمراجعات وضدًا لها، فحقيقة مقصود المراجعة المراد منها: هو التراجع عن المخالفة جلت أو دقت، وهو ما يجعل التراجعات غير مذمومة