بإطلاق، بل منها المذموم، ومنها المحمود، ومن ثم يجب التفريق بين التراجع التصويبي، والتراجع الانتكاسي ... ولا ريب أنه ينبغي تفادي هذا الأخير وإن يكن في القليل.
سادسها: عمليات التصويب يجب أن تعمَّ ما هو من أحكام الشرع، وما هو من أحكام العقل، وليس من نافلة القول أن نؤكد على متأكدٍ، في أنه لا يستقيم أن تأتي المراجعات مصادمة لبدهية تحليلية معدودة من العلم الضروري، أو من الحقائق المسلمات، كتوثيق مطعون فيه بإجماع الخاصة والعامة، أو استئمان خوانٍ معلوم الخيانة، أو التعويل على كيان سياسي أطبقت الأمة على فشله وفساده.
سابعها: أنه لا يصح الركون إلى الجوانب الإيجابية في عمليات التصويب، لأن مقصود التصويب هو الخروج من المخالفة مطلق المخالفة.
ثامنها: لا يصح عقد الولاء والبراء على مسائل الفروع المعدودة من موارد الاجتهاد، أو تعليق قبول الانتماءات على الموافقة المطلقة حتى فيما يعتقد تنوع الآراء والتقديرات فيه.
تاسعها: إن الاجتهاد الشرعي القائم على تقدير المصالح والمفاسد مغني في بابه لتسويغ ترك غير المجدي وما كانت مفسدته أعظم من مصلحته، وهو ما يغني - بدوره - عن الخوض في الأحكام الشرعية ذات العلاقة بالثوابت والأصول، وإنك لتلحظ أن الشريعة الغراء تمنح المكلفين مرونة كبيرة فيما يتعلق بالجانب العملي من الأحكام دون العقدي منها، وهو جانب يلتحق بالثوابت وإن عُدَّ من الفروع، وكذا كل ما تعلق بأحكام الحلال والحرام.
عاشرها: يبقى باب المراجعات مفتوحًا ما بقي خطاب التكليف، لا توصده عمليات التصويب وإن توالت تترًا، فحقيقة التصويب هي لزوم الصراط كلما وقع لنا انحراف عنه، أو كلما اعتقدنا حيدتنا عن سبيل الحق، وهذه هي حقيقة الاستقامة التي أمر الله تعالى بها في قوله (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير) [7] ... فنعت أتباع النبي صلى الله عليه وسلم بصفة لا يتصور إمكان استقامتهم إلا بها، ألا وهي التوبة، ذلك أن المخالفة واردة في حقهم على وجه الإجمال، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خلق مفتنًا توابًا نسيًا، إذا ذكر ذكر) [8] ."
وقوله صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) [9] .
ونفس هذا المعنى جاء في قول الله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه) [10] .
ومن ثم فإن الاستقامة - في الاصطلاح الشرعي - هي لزوم الحق حقيقة أو حكمًا، حقيقة بتمثله، وحكمًا بالتوبة والاستغفار من مخالفته.
إن المصوب على التحقيق، لهو من لا يزال يصوب عمله حتى موافاة الأجل، سواء كان التصويب من جهته أو من جهة إخوانه المؤمنين، ولا يعني ذلك أنه يظل على غير وثوق بمنهاجه، بل أعني أنه دائم التحري للأصوب، دائم العزم على تصويب ما يستبين له خطؤه، دائم التهيؤ لقبول نصيحة يسندها الدليل، بل حريص عليها، منشرح بها صدره ... يلهج - متضرعًا - بالدعاء النبوي الجامع: (اللهم ربَّ جبريلََ وميكائيلَ وإسرافيل، فاطرَ السَّموات والأرض، عالمَ الغيبِ والشهادة، أنت تحكُم بين عبادك فيما كانوا فيه