فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 464

ولم نذكر الدارسين على يد العلماء في المساجد لندرة ذلك في زماننا، ولتعصب كثير منهم - إن وجدوا - لمشايخهم وانغلاقهم، وعدم معرفتهم ما يجري حولهم.

بعد أن تقرر هذا؛ فإنه ليس كل ما يصدر عن عالم يكون شرعًا جائز الاتباع فضلًا عن وجوبه، وخص العلماء؛ زلات العلماء بالبحث وبيان خطورتها، لأنه ربما أدت مكانتهم العلمية إلى اغترار الناس بهم، وبخاصة أتباع الأهواء والشهوات منهم، فقد نبه علماء الأصول وغيرهم، في باب الاجتهاد، والمفتي والمستفتي، على خطورة مخالفة الكتاب والسنة.

فهذا الأمام الأصولي البارع الإمام الشاطبي في كتابه البديع"الموافقات"يقول عما نحن بصدده: (وحكم هذا القسم معلوم رده في كلام الأصوليين إن كان الخطأ أمر جزئي) .

علق عليه دراز بقوله: (فينقض حكم الحاكم فيه إذا كان صادم إجماعًا أو نصًا قاطعًا أو قياسًا جليًا أو قواعد الشريعة، ويبطل أثر الفتوى أيضًا إن لم يكن حكم حاكم بل إفتاء) .

ويتابع الشاطبي رحمه الله فيقول: (كتحريم الحلال وتحليل الحرام مصادمة لقاطع كحل ... الربا وكتحريم الطيبات من الرزق وهكذا) .

وهناك نصوص كثيرة عن الصحابة تبين خطر زلة العالم؛

فعن عمر رضي الله عنه قال: (ثلاث يهدمن الإسلام؛ زلة العالم، وجدل المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين) [رواه الدارمي بسند صحيح] .

وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول: (وإياكم وزيغة الحكيم فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وقد يقول المنافق الحق، فتلقوا الحق عمن جاء به، فإن على الحق نورًا) ، قالوا: وكيف زيغة الحكيم؟ قال: (هي كلمة تروعكم وتنكرنها، وتقولون؛ ما هذا؟ فاحذروا زيغته ... ) .

وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: (ويلٌ للأتباع من عثرات العلماء) ، قيل له: كيف ذلك؟ قال: (يقول برأيه، ثم يجد من هو أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منه فيترك قوله، ثم يمضي الأتباع) .

وقال الأمام الغزالي رحمه الله: (إن زلة العالم بالذنب قد تصير كبيرة وهي في نفسها صغيرة ... فهذه ذنوب يُتبع العالم عليها، فيموت ويبقى شرها مستطير في العالم أيامًا متطاولة ... ) .

قال الشاطبي معلقًا على كلام الغزالي: (وهكذا الحكم في زلته في الفتيا من باب أولى) .

بعد هذا يا ترى فما موقف المسلم من زلة العالم؟

قال الشاطبي: (إن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة ولا الأخذ بها تقليدًا له، وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع ولذلك عدت زلة ... ) .

ثم قال: ( ... فإذا كان بيّنًا ظاهرًا أن قول القائل مخالف للقرآن والسنة لم يصح الاعتداد به ولا البناء عليه، ولأجل هذا يُنقض قضاء القاضي إذا خالف النص أو الإجماع ... ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت