فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 464

الآية: {لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [[1] ]، حتى سمَّى الله تعالى هذا الصلح فتحا. كل هذا في بيان أن منع القتال يوم الحديبية كان منعا قدريا.

وفي إبطال الإحتجاج بالقدر، قال ابن تيمية رحمه الله [[2] ]:(وليس في القدر حجة لابن آدم ولا عذر، بل القدر يُؤْمن به ولا يُحْتَج به، والمحتج بالقدر فاسد العقل والدين، متناقض، فإن القدر إن كان حجة وعذرا، لزم أن لا يُلام أحد، ولا يعاقب ولا يُقتص منه، وحينئذ فهذا المحتج بالقدر يلزمه - إذا ظُلِم في نفسه وماله وعرضه وحرمته - أن لا ينتصر من الظالم، ولا يغضب عليه، ويذمّه، وهذا أمر ممتنع في الطبيعة، لا يمكن أحدا أن يفعله، فهو ممتنع طبعا محرم شرعا.

ولو كان القدر حجة وعذرا لم يكن إبليس ملوما ولا معاقبا، ولا فرعون وقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الكفار، ولا كان جهاد الكفار جائزا، ولا إقامة الحدود جائزا، ولا قطع السارق، ولا جلد الزاني ولا رجمه، ولا قتل القاتل ولا عقوبة مُعْتَدٍ بوجه من الوجه. - إلى أن قال رحمه الله - فمن احتج بالقدر على ترك المأمور، وجزع من حصول ما يكرهه من المقدور فقد عكس الإيمان، وصار من حزب الملحدين المنافقين، وهذا حال المحتجين بالقدر).

الوجه الثاني: الخصوصية، وهي أن هذا المنع من القتال لاختلاط المؤمنين بالكفار في مكة كان خاصا بقصة الحديبية دون غيرها. ولا يستدل به على ما شابَهَهَا. وهذا القول بالخصوصية إن شاء الله تعالى هو الصواب، والله تعالى أعلم، ودليل ذلك:

أن الله سبحانه منع رسوله صلى الله عليه وسلم من غزو مكة يوم الحديبية - سنة 6 هـ - منعا قدريا، ثم أَذِنَ له في غزوها بعد ذلك بسنتين يوم فتح مكة - سنة 8 هـ - إذنا شرعيا، والبلد هو البلد - مكة - والمستضعفون لم يزل بعضهم بمكة كابن عباس رضي الله عنهما وغيره. وروى البخاري عن أبي هريرة قال: (لما فَتَحَ الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة، قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله حَبَسَ عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، فإنها لا تحل لأحد كان قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد من بعدي) ، وبهذا تعلم أن المنع يوم الحديبية كان خاصا لأن نفس البلد أحل بعد ذلك، والبلد هو البلد، والمستضعفون لم يزل بعضهم بها.

(1) انظر فتح الباري (5/ 348) .

(2) مجموع الفتاوى (2/ 323 - 326) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت