ومما يدل على الخصوصية أيضا أن هناك مواقف خالط فيها المؤمنون الكافرين والعصاة، ووقع القتل أو العذاب بالجميع، ولم يَحُل دون ذلك منع قدري من الله تعالى كما حدث يوم الحديبية، فدل هذا على خصوصية النص بقصة الحديبية، ولا مانع من أن يحدث مثله قدرا، أما شرعا فليس بحجة.
ومن المواقف التي حدثت فيها المخالطة ولم يمنع القتل أو العذاب قدرا ما يلي:
ما رواه أبو داود والترمذي عن جرير بن عبد الله قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى خَثْعَم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر لهم بنصف العقل وقال: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تراءى نارهما) .
ومنها حديث البيداء المذكور في كلام ابن تيمية السابق، فهذا الجيش أهلكه الله تعالى مع أن فيهم المُكْرَه و من ليس منهم.
ومنها ما رواه البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أنزَلَ الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم) .
ومنها ما رواه البخاري عن أم المؤمنين زينب بنت جحش قالت: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم، إذا كثر الخبث) .
ومنها ما رواه ابن حبان في صحيحه عن عائشة مرفوعا: (إن الله إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون، قُبِضُوا معهم ثم بُعِثُوا على نياتهم وأعمالهم) .
وهذه الأحاديث كلها في معنى حديث"البيداء".
قلت: والقول بالخصوصية ليس معناه أن المؤمن المخالط للكافرين لا حرمة له أو أنه مهدر الدم، لا بل هو معصوم بإيمانه أينما كان، وإنما القول بالخصوصية معناه أن هذه المخالطة ليست بمانعة من قتال الكافرين وإن تيقن أن بينهم مسلمين سيقتلون ضمنا، وذلك إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك.