فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 464

وهذا هو ما استقر عليه قول جمهور الفقهاء [[1] ]، ويجب أن يشاع هذا العلم في المسلمين كي يَحْذَروا من مخالطة الكافرين.

وفي تفسير قوله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ} ، أورد القرطبي أن مالكا رحمه الله لا يرى رمي المشركين إذا علم أن بينهم مسلمين مستدلا بهذه الآية، وقال إن أبا حنيفة أجاز ذلك.

ثم قال القرطبي [[2] ]: (قد يجوز قتل التُّرس، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كلية قطعية، فمعنى كونها ضرورية، أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس، ومعنى أنها كلية، أنها قاطعة لكل الأمة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين، فإن لم يفعل قَتَلَ الكفارُ الترسَ واستولوا على كل الأمة ومعنى كونها قطعية، أن تلك المصلحة حاصلة من قَتْل الترس قطعا، قال علماؤنا: وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يُخْتَلَف في اعتبارها، لأن الفرض أن الترس مقتول قطعا، فإما بأيدي العدو فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدو على كل المسلمين. وإما بأيدي المسلمين فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون. ولا يتأتى لعاقل أن يقول: لا يُقتل الترس في هذه الصورة بوجه، لأنه يلزم منه ذهاب الترس والإسلام والمسلمين، لكن لما كانت هذه المصلحة غير خالية من المفسدة، نَفَرَت منها نفس من لم يُمْعِن النظر فيها، فإن تلك المفسدة بالنسبة إلى ما يحصل منها عدم أو كالعدم، والله أعلم) أهـ من كلام القرطبي.

قلت: وهذا كلام يَشْفي العليل ويَرْوى الغليل، فإنه لا خلاف بين الأمة في وجوب حفظ الضروريات الخمس وهي الدين والنفس والنسل - النسب - والعقل والمال، ولا خلاف في أن حفظ الدين مقدم على حفظ النفس، ولهذا شُرِع الجهاد لحفظ الدين مع أن فيه ذَهَاب الأنفس والأموال، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعدًا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة وَالإِنْجِيل وَالقُرْآن} ، وقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} .

ولا شك أن الضرر النازل بالمسلمين من تسلط الحكام المرتدين عليهم، وما في ذلك من الفتنة العظيمة، هذا الضرر يفوق أضعافا مضاعفة قتل بعض المسلمين المكرهين في صف العدو أو المخالطين له عن غير قصد حال القتال.

(1) انظر المغني والشرح الكبير (10/ 505) و (المجموع شرح المهذب(19/ 297) .

(2) تفسير القرطبي (16/ 282 - 288) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت