فارن فإن محمدا صلىالله عليه وسلم ظهر به نور الله وهداه في مشرق الأرض ومغربها أعظم مما ظهر بالكتابين كما يظهر نور الشمس في مشارق الأرض ومغاربها إذا استعلنت وتوسطت السماء ولهذا سماه الله سراجا منيرا وسمى الشمس سراجا وهاجا والخلق يحتاجون إلى السراج المنير أعظم من حاجتهم إلى السراج الوهاج فإن هذا يحتاجون إليه في وقت دون وقت وأما السراج المنير فيحتاجون إليه كل وقت وفي كل مكان ليلا ونهارا سرا وعلانية وقد ذكر الله تعالى هذه الأماكن الثلاثة في قوله والتين والرزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين فالتين والزيتون هو في الأرض المقدسة التي بعث منها المسيح وأنزل عليه فيها الإنجيل وطور سنين وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى تكليما وناداه من واديه الأيمن من البقعة المباركة من الشجرة التي فيه وأقسم بالبلد الأمين وهو مكة التي أسكن إبراهيم وإسماعيل وأمه فيه وهو فاران كما تقدم ولما كان ما في التوراة خبرا عن ذلك أخبر به على الترتيب الزماني فقدم الأسبق ثم الذي يليه وأما القرآن فإنه أقسم بها تعظيما لشأنها وإظهارا لقدرته وآياته وكتبه ورسله فأقسم بها على وجه التدريج درجة بعد درجة فبدأ بالعالي ثم انتقل إلى أعلا منه ثم أعلا منهما فإن أشرف الكتب القرآن ثم التوراة ثم الإنجيل وكذلك الأنبياء فصل وهذا الذب ذكره ابن قتيبية وغيره من علماء المسلمين من تأمل التوراة وجدها ناطقة به صريحة فيه فإن فيها وعد إبراهيم فأخذ الغلام وأخذ خبزا وسقاء من ماء ودفعه إلى هاجر وحمله عليها وقال اذهبي فانطلقت هاجر ونفذ الماء الذي كان معها فطرحت الغلام تحت شجرة وجلست مقابلته على مقدار رمية الحجر لئلا تبصر الغلام حين يموت ورعفت صوتها بالبكاء وسمع الله صوت الغلام حيث هو فقال لها الملك قومي فاحملي الغلام وشدي يدك به فإني جاعله لأمة معظمة وفتح الله عينيها فبصرت ببئر ما فسقت الغلام وملأت سقاها وكان الله مع الغلام فتربى وسكن في برية فاران فهذا نص التوراة أن إسماعيل ربى وسكن في برية فاران بعد أن كان يموت من العطش وأن الله سقاة من بئر ماء وقد علم بالتواتر واتفاق الأمم أن إسماعيل إنما ربي بمكة وهو وأبوه إبراهيم بنيا البيت فعلم قطعا أن فاران هي أرض مكة فصل ومثل هذه البشارة من كلام شمعون فيما قبلوه ورضوا ترجمته جاء الله من جبال فاران وامتلأت السموات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته ولم يخرج أحد من جبال فاران التي امتلأت السموات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته سوى محمد صلى الله عليه و سلم فان المسيح لم يكن بارض فاران البتة وموسى إنما كلم من الطور والطور ليس من أرض