وقد حث - عليه الصلاة والسلام - أن يكون مع العرس لهو، إشاعة للبهجة والفرح، حتى لا يكون عرسًا صامتًا. وشرع المصارعة والمسابقة على الأقدام كمسابقته لعائشة، كما سبّق بين الخيل، وأعطي السابق (1) .
وكلها خارج عن الثلاثة المذكورة.
وفي هذا المعنى حديث آخر رواه النسائي في"كتاب عشرة النساء"والطبراني في"الكبير"عن جابر بن عبد الله، وجابر بن عمير الأنصاريين مرفوعًا بلفظ: «كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ مِنْ ذِكْرِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَهُوَ لَغْوٌ وَلَهْوٌ، إِلَّا أَرْبَعَ خِصَالٍ: مَشْيُ الرَّجُلِ بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ، وَتَأْدِيبُهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ أَهْلَهُ، وَتَعَلُّمُ السَّبَّاحَةِ» (2) .
والنص هنا وضع كلمة"لغو ولهو"أو"سهو"موضع كلمة"باطل"في الحديث الآخر، مما يحدد المقصود بها، كما أضاف الحديث هنا إلى الثلاثة رابعًا، وهو"السباحة"مما يدل على أن الحصر في الثلاثة غير مراد.
وقد جاء عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - وهو من زهاد الصحابة ونُسَّاكهم: إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل، ليكون أقوي لها على الحق (3) .
وواضح أن مراده بالباطل هنا هو: اللهو واللعب، فهو يستعين به على تنشيط نفسه للحق، بعد أن تأخذ شيئًا من الاستجمام والراحة، كما قال الشاعر:
والنفس تسأم إن تطاول جدها فاكشف سآمة جدها بمزاح
وقال الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب"السماع"من"إحيائه"في الرد على من احتجوا بالحديث المذكور على تحريم الغناء كله: (قوله:"باطل"لا يدل على التحريم، بل يدل على عدم الفائدة، وقد يسلم ذلك، على أن التلهي بالنظر
(1) سبق تخريج هذه الأحاديث. انظر ص 62 من هذا الكتاب.
(2) وجوّد المنذري في:"الترغيب"إسناده بعد أن عزاه للطبراني، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجال الطبراني رجال الصحيح، خلا عبد الوهاب بن بخت، وهو ثقة (6/ 269) وذكره الألباني في: سلسلة الأحاديث الصحيحة (315) . (تعليق: وانظر أيضا ص 61، و 71 من هذا الكتاب) .
(3) سبق تخريجه. انظر ص 37 من هذا الكتاب.