الحجاج يوسف الضرير. وعلى أن الشرط الشرعي ليس شرطًا في توجه التكليف لا يكون وجود الإيمان شرطًا في توجه التكليف، وعليه فيكون الكفار مخاطبين بفروع الشريعة، وهو المشهور كما في الحطاب.
وباتفاقٍ قاطعِ البُرهانِ ... - ... أن خوطِبَ الكُفَّارُ بالإيمان
يعني أن خطاب الكفار بالإيمان بعد البعثة كائن باتفاق بين العلماء، برهانه أي ذلك الاتفاق (قاطع) أي لا ظني لكثرة أدلته من الكتاب والسنة ولانعقاد الإجماع عليه بين الأمة، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول ما يدعو الناس إليه الإيمان، وإنما لم نذكر شيئًا من أدلته لأنها أظهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر. وإنما كلف الكفار بالإيمان: ...
ليحصُلَ التكليفُ بالمشروعِ ... - ... في حقِّهم من سائر الفروع
أي ليحصل تكليفهم بما شرع في حقهم من سائر فروع الشريعة، لأن التكليف بها متوقف على التكليف بالإيمان، لأنه أصلها ولا يمكن التكليف بالفرع دون التكليف بأصله.
وأنهم ليسوا بمقبولي العملْ ... - ... حتى يُرى الإيمان منهم قد حصلْ
يعني أن الاتفاق بين العلماء واقع أيضًا على أنهم أي الكفار لا يقبل منهم عمل حسن كالإنفاق والإحسان إلى المخلوقين حتى يحصل الإيمان منهم، لأن الطاعة لا تنفع مع الكفار إذ الإيمان أصلها، وإذا سقط الأصل فالفرع أجدر منه بالسقوط، ولقوله - صلى الله عليه وسلم:"إذا عمل الكافر حسنة أطعمه الله بها طعمة في الدنيا"
والخُلفُ في الخطاب بالفروعِ ... - ... ثالثُها بالنَّهيِ عن ممنوع
يعني أن الخلاف بين الفقهاء كائن في خطاب الكفار بفروع الشريعة، فقيل إنهم مخاطبون بها وهو المشهور، قال الباجي وهو ظاهر مذهب مالك لقوله تعالى حكاية عن الكفار حين قال لهم الملائكة {ما سلككم في سقر قالوا لم نكُ من المصلين .. } وقوله تعالى {وويل للمشركين الذين لا يوتون الزكاة} لأن تعذيبهم على ترك الصلاة وما معها ووعيدهم على ترك الزكاة يدل قطعًا على أنهم مخاطبون بها، والصلاة والزكاة من فروع الشريعة. ومذهب جمهور الحنفية وأبي حامد الإسفراييني أنهم غير مخاطبين بالفروع لأنها لا تصح منهم ولا يمكن أن يخاطب الإنسان بما لا يصح منه ولا يقبل ولأنهم لو كانوا مخاطبين بها حين الكفر لوجب عليهم قضاؤها بعد الإيمان، وذلك باطل؛ وأجيبوا بأن القضاء بأمر جديد وذلك لم يرد. وقيل إنهم مخاطبون بالنواهي دون الأوامر لأن الأمر تتوقف صحته وقبوله على نية التقرب والامتثال، وتلك متعذرة منهم حال الكفر، والنهي لا يحتاج إلى نية، بل يخرج الإنسان من عهدته بمجرد تركه وإن لم يشعر به. ...