فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 306

أي مبحثهما؛

العُرفُ ما يُعرفُ بين الناسِ ... - ... ومِثْلُهُ العادةُ دون باس

يعني أن العرف اصطلاحًا هو (ما) أي المعنى الذي (يعرف) أي يعهد ويجري بين الناس استعماله ومثله في المعنى لغةً واصطلاحًا العادة دون باس في جعله مثله. قال في الهيث الهامع قال ابن عطية: معناه كل ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة. وقال ابن ظفر في الينبوع: العرف ما عرفت العقلاء أنه حسن وأقرهم الشارع عليه. وقال القرافي في التنقيح: العادة غلبة معنى من المعاني على الناس، وقد تكون هذه الغلبة في جميع الأقاليم كحاجة الغذاء والتنفس في الهواء، وقد تكون خاصة ببعض البلاد كالنقود والعيوب، وقد تكون خاصة ببعض الفرق كالآذان للإسلام والناقوس للنصارى، فهذه العادة يقضى بها عندنا.

قلت: فهذه العبارات الواردة في تعريف العرف كلها آئلة إلى معنى واحد هو غلبة معنى من المعاني على جميع البلاد أو بعضها. ...

ومُقتضاهما معًا مشروعُ ... - ... في غير ما خالفَه المشروعُ

يعني أن مقتضى العرف والعادة أي مدلولها مشروع أي معمول به في الشرع في غير ما خالفه المشروع، يعني أن العرف معمول به في الشرع ما لم يخالف دليلًا شرعيًا فإنه حينئذ يجب نبذه واعتماد الدليل الشرعي، لأن الشرع حق والعرف باطل، والشريعة لا تنسخها العادة.

ومعنى العمل بالعرف أنه يقيد به بعض الأحكام الشرعية الفرعية وليس معمولًا به في كل فروع الشريعة كما يزعم بعض جهلة هذا الزمان المنتسبين للقضاء والفتيا بل إنما يعمل به في الأحكام الفرعية التي وكل الشرع أمرها إلى العرف كمعرفة أسباب الأحكام من الصفات الإضافية كصغر ضية وكبرها، وإطلاق ماء وتقييده، وغالب الكثافة ونادر العذر ودائمه، وطول الفصل في السهو وقصره، وكتقدير نفقات الزوجات وكسوتهم، وما يخص به الرجال عن النساء من متاع البيت، وما يختص به النساء عن الرجال منه، وما العادة فيه من البيوع النقد، وما العادة فيه التأخير، وكألفاظ الناس في الأيمان والعقود والفسوخ فإنه محكم فيها يخصصها ويقيدها. ومتى انتقل العرف في هذه المسائل تبعه الحكم؛ وحكى المقري على ذلك الإجماع.

والأصل في تحكيم العرف قوله تعالى {خذ العفو وأمر بالعرف} أي ما يعرف بين الناس ويعتادونه، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لهند بنت عتبة حين قالت له:"إن أبا سفيان رجل مسيك لا يعطيها من النفقة ما يكفيها وأولادها":"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"أي المعتاد من النفقة عند الناس، وقوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} أي المعتاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت