الثاني: ما مُلك بالإحياء ثم ترك حتى دَثر وعاد مواتًا فهو كالذي قبله؛ لأن هذه الأرض يعرف مالكها. فلم تملك بالإحياء كالتي ملكت بشراء أو عطية.
ولأن سائر الأموال لا يزول الملك عنها بالترك بدليل سائر الأملاك إذا تركت حتى شعثت.
النوع الثاني: ما يوجد فيه آثار ملك قديم [1] جاهلي؛ كآثار الروم ومساكن ثمود ونحوها. فهذه تملك بالإحياء؛ لأن ذلك الملك لا حرمة له. وقد روى طاووس عن النبي عليه السلام أنه قال: (( عادي الأرض لله ولرسوله ثم هو بعد لكم ) ) [2] رواه سعيد بن منصور في سننه، وأبو عبيد في الأموال وقال: (( عادي الأرض التي كان بها ساكن في آباد الدهر، فانقرضوا ولم يبق منهم أنيس ) ) [3] وإنما نسبها إلى عاد؛ لأنهم كانوا مع تقدمهم ذوي قوة وبطش وآثار كثيرة فنسب كل أثر قديم إليهم.
قال صاحب المغني: ويحتمل أن كل ما فيه أثر الملك ولم يعلم زواله قبل الإسلام: أنه لا يملك؛ لأنه يحتمل أن المسلمين أخذوه عامرًا فاستحقوه فصار موقوفًا بوقف عمر. فلم يملك؛ كما لو علم مالكه.
النوع الثالث: ما جرى عليه الملك في الإسلام لمسلم أو ذمي غير معين فظاهر كلام الخرقي: أنها لا تملك بالإحياء وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لما روى كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( من أحيا أرضًا مواتًا في غير حق مسلم فهي له ) ) [4] . فقيده بكونه في غير حق مسلم.
ولأن هذه الأرض لها مالك. فلم يجز إحياؤها؛ كما لو كان معينًا فإن مالكها إن كان له ورثة فهي لهم، وإن لم يكن له ورثة ورثها المسلمون.
والرواية الثانية: أنها تملك بالإحياء، وهي مذهب أبي حنيفة ومالك؛ لعموم
(1) في الأصل: قديمة. وما أثبتناه من المغني 6: 148.
(2) أخرجه أبو عبيد في الأموال (676) ص: 253 كتاب أحكام الأرضين في إقطاعها، باب الإقطاع.
(3) أخرجه أبو عبيد في الأموال (692) ص: 257 الموضع السابق.
(4) ذكره البخاري في صحيحه 2: 823 كتاب المزارعة، باب من أحيا أرضًا مواتًا.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6: 147 كتاب إحياء الموات، باب ما يكون إحياء وما يرجى فيه من الأجر.