فهرس الكتاب

الصفحة 939 من 2430

الصلح في الحقيقة: موافقة بعد مخالفة واتفاق بعد افتراق، ولا يقع في الغالب إلا عن انحطاط عن رتبة إلى ما دونها على سبيل المداراة لبلوغ بعض الغرض. وهو من أكبر العقود فائدة، إذ لا يقع إلا مصلحة لفاسد، ومزيلة للخصائم، ومطفية للثوائر، بمثابة الأدوية للأمراض العارضة على الأجسام، وتعديل للأمزجة عند منافرتها بالأدوية. ولذلك حسن فيه الكذب. والكذب من أقبح القبيح. لكن لما جُعِل سبيلًا إلى إصلاح ما بين متهاجرين حَسُنَ شرعًا.

مسألة: قال أبو القاسم رحمه الله: (والصلح الذي يجوز هو: أن يكون للمدعي حق لا يعلمه المدعى عليه. فيصطلحان على بعضه. فإن كان يعلم ما عليه فجحده فالصلح باطل) .

أما الصلح على الإنكار فصحيح. وبه قال أبو حنيفة ومالك؛ لعموم قوله عليه السلام: (( الصلح بين المسلمين جائز ) ) [1] فيدخل هذا في عمومه.

فإن قيل: فقد قال: (( إلا صلحًا أحل حرامًا ) ) [2] وهذا داخل فيه؛ لأنه لم يكن له أن يأخذ من مال المدعى عليه، فحل بالصلح.

قلنا: لا نسلم دخوله فيه. ولا يصح حمل الحديث على ما ذكروه لوجهين:

أحدهما: أن هذا يوجد في الصلح بمعنى البيع. فإنه يحل لكل واحد منهما ما كان محرمًا عليه قبله. وكذلك الصلح بمعنى الهبة. فإنه يحل للموهوب له ما كان حرامًا عليه. والإسقاط يحل له ترك أداء ما كان واجبًا عليه.

(1) أخرجه أبو داود في سننه (3594) 3: 304 كتاب الأقضية، باب في الصلح.

وأخرجه الترمذي في جامعه (1352) 3: 634 كتاب الأحكام، باب ما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلح بين الناس.

وأخرجه ابن ماجة في سننه (2353) 2: 788 كتاب الأحكام، باب الصلح.

(2) جزء من الحديث السابق وقد سبق تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت