المفلس: هو الذي لا مال له ولا ما يدفع به حاجته. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (( أتدرون من المفلس؟ قالوا: يا رسول الله المفلس فينا من لا دراهم ولا متاع له قال: ليس ذلك المفلس، ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال ويأتي وقد ظلم هذا ولطم هذا وأخذ من عرض هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن بقي عليه شيء أخذ من سيئاتهم فرد عليه ثم يصك له صك إلى النار ) ) [1] رواه مسلم بمعناه.
فقولهم ذلك إخبار عن حقيقة المفلس. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ليس ذلك المفلس ) )تجوز لم يرد به نفي الحقيقة، بل أراد أن فلس الآخرة أشد وأعظم بحيث يصير مفلس الدنيا بالنسبة إليه كالغني. ونحو هذا قوله عليه السلام: (( ليس الشديد بالصُّرَعَة ولكن الشديد الذي يغلب نفسَه عند الغضب ) ) [2] .
وإنما سمي هذا مفلسًا؛ لأنه لا مال له إلا الفلوس، وهي أدنى أنواع المال.
والمفلس في عرف الفقهاء: من دينه أكثر من ماله وخرجه أكثر من دخله، وسموه مفلسًا وإن كان ذا مال؛ لأن ماله مستحق الصرف في جهة دينه فكأنه معدوم، وقد دل عليه تفسير النبي عليه السلام مفلس الآخرة فإنه أخبر أن له حسنات أمثال الجبال لكن كانت دون ما عليه فقسمت بين الغرماء وبقي لا شيء له، ويجوز أن يكون سمي بذلك؛ لما يؤول إليه من عدم ماله بعد وفاء دينه، ويجوز أن يكون سمي بذلك؛ لأنه يمنع من التصرف في ماله إلا الشيء التافه الذي لا يعيش إلا به؛ كالفلوس ونحوها.
مسألة: قال أبو القاسم رحمه الله: (وإذا فلس الحاكم رجلًا فأصاب أحد الغرماء
(1) أخرجه مسلم في صحيحه (2581) 4: 1997 كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه (5763) 5: 2267 كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب.
وأخرجه مسلم في صحيحه (2609) 4: 2014 كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب ...