ومعناه: أن الوديعة أمانة، فإذا تلفت بغيرتفريط من المودع فليس عليه ضمان، سواء ذهب معها شيء من مال المودع أو لم يذهب. هذا قول أكثر أهل العلم.
روي ذلك عن أبي بكر وعلي وابن مسعود، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي.
وعن أحمد رواية أخرى: إن ذهبت الوديعة من بين ماله غرمها، لما روي عن عمر بن الخطاب (( أنه ضمّن أنس بن مالك وديعة ذهبت من بين ماله ) ) [1] .
قال القاضي: والأولى أصح؛ لأن الله سماها أمانة، والضمان ينافي الأمانة، روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ليس على المستودَع ضمان ) ) [2] .
ولأن المستودع مؤتمن فلا يضمن ماتلف من غير تعديه وتفريطه، كالذي ذهب مع ماله.
ولأن المستودع إنما يحفظها لصاحبها متبرعًا من غير نفع يرجع عليه، فلو لزمه الضمان لامتنع الناس من قبول الودائع، وذلك مضر لما بيناه من الحاجة إليها.
وما روي عن عمر محمول على التفريط من أنس في حفظها فلا ينافي ما ذكرناه.
وأما إن تعدى المستودع فيها أو فرط في حفظها فتلفت ضمن بغير خلاف نعلمه؛ لأنه متلفٌ لمال غيره. فضمنه؛ كما لوأتلفه من غير استيداع.
مسألة: (فإن خلطها بماله وهي لاتتميز، أولم يحفظها كما يحفظ ماله، أوأودعها غيره فهو ضامن) .
هذه المسألة تشتمل على أحكام:
الأول: أن المستودع إذا خلط الوديعة بما لاتتميز منه من ماله أو مال غيره ضمنها سواء خلطها بمثلها أو دونها أو أجود من جنسها أو غير جنسها مثل أن
(1) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (14799) 8: 182 كتاب البيوع، باب الوديعة.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6: 289 كتاب الوديعة، باب لا ضمان على مؤتمن.
(2) أخرجه البيهقي في الموضع السابق.