فصدقاه أنه لا يعلم عينه فلا يمين عليه، وإن ادعيا معرفته فعليه يمين واحدة أنه لا يعلم ذلك؛ لأن الذي يدعى عليه أمر واحد وهو العلم بعين المالك فكفاه يمين واحدة كما لو ادعياها فأقر بها لأحدهما ويفارق ما إذا أنكرهما؛ لأن كل واحد منهما يدعي عليه أنها له فهما دعويان، فإن حلف أقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وسلمت إليه؛ لأنهما تساويا في الحق فيما ليس بأيديهما فوجب أن يقرع بينهما كالعبدين إذا أعتقهما في مرضه فلم يخرج من الثلث إلا أحدهما، أو كما لو أراد السفر بإحدى نسائه.
مسألة: (ومن أودع شيئًا فأخذ بعضه ثم رده أو مثله فضاع الكل لزمه مقدار ما أخذ) .
أما من أودع شيئًا فأخذ بعضه لزمه ضمان ما أخذ فإن رده أو مثله لم يبر من الضمان وبهذا قال الشافعي؛ لأن الضمان تعلق بذمته بالأخذ بدليل أنه لو تلف في يده قبل رده ضمنه فلا يزول إلا برده إلى صاحبه كالمغصوب، وأما باقي الوديعة فينظر فيه فإن كان في كيس مختوم أو مشدود فكسر الختم أو حل الشد ضمن، سواء أخرج منه أو لم يخرج؛ لأنه هتك الحرز بفعل تعدى به، وإن خرق الكيس فوق الشد فعليه ضمان ما خرق خاصة؛ لأنه ما هتك الحرز، وإن لم تكن الدراهم في كيس أو كانت في كيس غير مشدود، أو كانت ثيابًا فأخذ منها واحدًا ثم رده بعينه لم يضمن غيره؛ لأنه لم يتعد في غيره وإن رد بدله وكان متميزًا لم يضمن غيره لذلك وإن لم يكن متميزًا فظاهر كلام الخرقي هاهنا: أنه لا يضمن غيره؛ لأن التعدي اختص به فيختص الضمان به وخلط المردود بغيره لا يقتضي الضمان؛ لأنه يجب رده معها فلم يفوت على نفسه إمكان ردها بخلاف ما إذا خلطه بغيره.
ولو أذن له صاحب الوديعة في الأخذ منها ولم يأمره برد بدله فأخذ ثم رد بدل ما أخذ فهو كرد بدل ما لم يؤذن في أخذه.
وقال القاضي: يضمن الكل وهو قول الشافعي؛ لأنه خلط الوديعة بما لا تتميز منها فضمن الكل كما لو خلطها بغير البدل. وقد ذكرنا فرقًا بين البدل وغيره فلا يصح القياس. والله أعلم.