اركبيها فإن الحج من سبيل الله )) [1] .
وعن أحمد رواية أخرى لا يصرف منها في الحج وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وهذا أصح عندي؛ لأن سبيل الله عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد فإن كل ما في القرآن من ذكر سبيل الله إنما أريد به الجهاد إلا اليسير فيجب أن يحمل ما في هذه الآية على ذلك؛ لأن الظاهر إرادته به.
ولأن الزكاة إنما تنصرف إلى أحد الرجلين محتاج إليها كالفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم، أو من يحتاج إليه المسلمون كالعامل والغازي والمؤلف والغارم لإصلاح ذات البين والحج من الفقير لا نفع للمسلمين فيه ولا حاجة بهم إليه ولا حاجة به أيضًا إليه؛ لأن الفقير لا فرض عليه فيسقطه ولا مصلحة له في إيجابه عليه وتكليفه مشقة قد رفهه الله منها وخفف عنه إيجابها وتوفر هذا القدر على ذوي الحاجة من سائر الأصناف أو دفعه في مصالح المسلمين أولى وأما الخبر فلا يمتنع أن يكون الحج من سبيل الله والمراد بالآية غيره لما ذكرنا.
فصل
فإن قلنا يدفع في الحج منها فلا يعطى إلا بشرطين أحدهما: أن يكون ممن ليس له ما يحج به سواها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تحل الصدقةُ لغني ولا لذي مِرَّةٍ سَوي ) ) [2] .
ولأنه يأخذ لحاجته لا لحاجة المسلمين إليه فاعتبرت فيه الحاجة كمن يأخذ لفقره.
والثاني: أن يأخذ لحجه الفرض ذكره أبو الخطاب؛ لأنه يحتاج إلى إسقاط فرضه وإبراء ذمته أما التطوع فله مندوحة عنه، وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد جواز ذلك في
(1) أخرج أحمد في مسنده عن أم معقل الأسدية (( أن زوجها جعل بكرًا في سبيل الله وأنها أرادت العمرة فسألت زوجها البكر فأبى فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأمره أن يعطيها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحج والعمرة في سبيل الله ) ) (27326) 6: 406.
(2) أخرجه أبو داود في سننه (1634) 2: 118 كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغني.
وأخرجه الترمذي في جامعه (652) 3: 42 كتاب الزكاة، باب ما جاء من لا تحل له الصدقة.
وأخرجه النسائي في سننه (2597) 5: 99 كتاب الزكاة، إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها.