إلى جنس واحد فقال: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [البقرة:271] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حيث بعثه إلى اليمن: (( أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ) ) [1] متفق عليه.
فلم يذكر في الآية والخبر إلا صنفًا واحدًا. و (( أمر بني زُريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر ) ) [2] وهو شخص واحد. رواه أبو داود.
والآثار في هذا كثيرة تدل على أن النبي عليه السلام لم يكن يعتمد في كل صدقة ثابتة دفعها إلى جميع الأصناف ولا تعميمهم بها، بل كان يدفعها إلى من وجد من أهلها وهذا هو الأليق بحكمة الشرع وحسنه، إذ غير جائز أن يكلف الله تعالى من وجبت عليه شاة أو صاع من البر أو نصف مثقال أو خمسة دراهم دفعها إلى ثمانية عشر نفسًا أو أحد وعشرين أو أربعة وعشرين نفسًا من ثمانية أصناف لكل ثلاثة منهم ثمنها، والغالب تعذر وجودهم في الإقليم العظيم وعجز السطان عن إيصال مال بيت المال مع كثرته إليهم على هذا الوجه فكيف يكلف الله من وجبت عليه زكاة جمعهم وإعطائهم وهو سبحانه القائل: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج:78] وقال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة:185] وقال: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} [البقرة:286] وأظن من قال بوجوب دفعها على هذا الوجه إنما يقوله بلسانه ولا يفعله ولا يقدر على فعله وما بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا في صدقة من الصدقات ولا أحدًا [3] من خلفائه ولا صحابته ولا غيرهم ولو كان هذا هو الواجب في الشريعة المطهرة لما أغفلوه ولو فعلوه مع مشقته لنقل وما أهمل، إذ لا يجوز على أهل التواتر إهمال نقل ما تدعوا الحاجة إلى نقله سيما مع كثرة من تجب عليه الزكاة ووجود ذلك مع كل زمان في كل مصر وبلد وهذا أمر ظاهر.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (4090) 4: 1580 كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما إلى اليمن قبل حجة الوداع.
وأخرجه مسلم في صحيحه (19) 1: 50 كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.
(2) أخرجه أبو داود في سننه (2213) 2: 265 كتاب الطلاق، باب في الظهار.
(3) في الأصل: أحد. وما أثبتناه من المغني 7: 330.