وصححه.
ولأن فيه نهبًا وتزاحمًا وقتالًا وربما يأخذه من يكره صاحب النثار لحرصه وشرهه ودناءة نفسه ويحرمه من يحب صاحبه لمروءته وصيانة نفسه وعرضه. والغالب هذا فإن أهل المروءات يصونون أنفسهم عن مزاحمة سفلة الناس على شيء من الطعام أو غيره.
ولأن في هذا دناءة والله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها. وأما خبر البدنات فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه لا نهبة في ذلك لكثرة اللحم وقلة الآخذين أو فعل ذلك لاشتغاله بالمناسك عن تفريقها.
وفي الجملة فالخلاف إنما هو في كراهية ذلك وأما إباحته فلا خلاف فيها ولا في الالتقاط؛ لأنه نوع إباحة لما له أشبه سائر المباحات.
مسألة: (فإن قسم على الحاضرين فلا بأس بأخذه) .
كذا روي عن أبي عبدالله رضي الله عنه أن بعض أولاده حذق فقسم على الصبيان الجوز. أما إذا قسم على الحاضرين ما ينثر مثل اللوز والسكر وغيره فلا خلاف في أن ذلك حسن غير مكروه. وقد روي عن أبي هريرة قال: (( قسم النبي صلى الله عليه وسلم يومًا بين أصحابه تمرًا فأعطى كل إنسان [1] سبع تمرات فأعطاني سبع تمرات إحداهن حَشَفَةٌ لم تكن منهن تمرة أعجبَ إليَّ منها شَدَّت في مَضَاغِي ) ) [2] رواه البخاري.
وكذلك إن وضعه بين أيديهم وأذن لهم في أخذه على وجه لا يقع تناهب فلا يكره أيضًا.
قال المروذي: سألت أبا عبدالله عن الجوز ينثر فكرهه وقال: يقسم عليهم. وقال محمد بن علي بن بحر سمعت حُسْنَ أم ولد أحمد بن محمد بن حنبل تقول: لما حذق ابني حَسن قال لي مولاي حُسن: لا تنثروا عليه فاشترى تمرًا وجوزًا فأرسله إلى المعلم قالت: وعملت أنا عصيدة وأطعمت الفقراء فقال: أحسنت أحسنت وفرق أبو عبدالله على الصبيان الجوز لكل واحد خمسة خمسة.
(1) زيادة من الصحيح.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه (5095) 5: 2065 كتاب الأطعمة، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون.