وقال ابن عباس: توبته لا تقبل؛ للآية التي ذكرناها وهي من آخر ما نزل. قال: ولم ينسخها شيء.
ولأن لفظ الآية لفظ الخبر والأخبار لا يدخلها نسخ ولا تغيير؛ لأن خبر الله لا يكون إلا صدقًا.
ولنا قول الله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء:48] . فجعله داخلًا في المشيئة. وقال تعالى: {إن الله يغفر الذنوب جميعًا} [الزمر:53] ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أن رجلًا قتل مائة رجل ظلمًا ثم سأل: هل لي من توبة فدل على عالم فسأله فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة ولكن اخرج من قرية السوء إلى القرية الصالحة فاعبد الله فيها فخرج تائبًا فأدركه الموت في الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فبعث الله إليهم ملكًا فقال: قيسوا ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب فاجعلوه من أهلها فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر فجعلوه من أهلها ) ) [1] متفق عليه.
ولأن التوبة تصح من الكفر فمن القتل أولى.
والآية محمولة على من لم يتب، أو على أن هذا جزاؤه إن جازاه فله العفو إذا شاء. وقوله: لا يدخلها النسخ قلت: لكن يدخلها التخصيص والتأويل.
مسألة: قال أبو القاسم رحمه الله: (والقتل على ثلاثة أوجه: عمد، وشبه عمد، وخطأ) .
أكثر أهل العلم يرون القتل منقسمًا إلى هذه الأقسام الثلاثة روي هذا عن عمر وعلي وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأنكر مالك شبه العمد، وقال: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، فأما شبه العمد فلا يعمل به عندنا، وجعله من قسم العمد.
وحكي عنه مثل قول الجماعة وهو الصواب؛ لما روى عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (3283) 3: 1280 كتاب أحاديث الأنبياء، حديث الغار.
وأخرجه مسلم في صحيحه (2766) 4: 2118 كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله.