فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهُوا عليه ) ) [1] ، وكذلك المضطر إليها لدفع غصة بها إذا لم يجد مائعًا سواها فإن الله قال في آية التحريم: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} [البقرة:173] وإن شربها لعطش نظرنا، فإن كانت ممزوجة بما يروي من العطش أبيحت لدفعه عند الضرورة كما تباح الميتة في المخمصة وكإباحتها لدفع الغصة. وقد جاء في حديث عبدالله بن حذافة (( أنه أسره الروم فحبسه طاغيتُهم في بيتٍ فيه ماء ممزُوج بخمر، ولحم خنزير مشوي، ليأكله ويشرب الخمر، فتركه ثلاثة أيام فلم يفعل ثم أخرجوه حين خشَوا موته فقال: والله لقد كان الله أحلَّه لي فإني مضطر، ولكن لم أكن لأُشْمِتَكُم بدين الإسلام ) ) [2] .
وإن شربها صرفًا أو ممزوجة بشيء يسير لا يروي من العطش أو شربها للتداوي لم يبح له ذلك وعليه الحد. وقال أبو حنيفة: يباح شربها لهما وللشافعية وجهان كالمذهبين، ووجه ثالث يباح شربها للتداوي دون العطش؛ لأنها حال ضرورة فأبيحت فيها لدفع الغصة وسائر ما يضطر إليه.
ولنا ما روى الإمام أحمد بإسناده عن طارق بن سويد (( أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنما أصنعُها للدواءِ. فقال: إنه ليسَ بدواء ولكنه دَاء ) ) [3] .
وبإسناده عن مخارق (( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخلَ على أم سلمة وقد نبذت نبيذًا في جرة فخرجَ والنبيذ يهدر. فقال: ما هذا؟ فقالت: فلانة اشتكتْ بطنها فنقعت لها. فدفعه برجله فكسرهُ وقال: إن الله لم يجعلْ فيما حرم عليكمْ شفاء ) ) [4] .
ولأنه محرم لعينه. فلم يبح للتداوي؛ كلحم الخنزير.
ولأن الضرورة لا تندفع به فلم يبح كالتداوي بها فيما لا يصلح له.
الحكم الخامس: أن الحد إنما يلزم من شربها عالمًا أن كثيرها يسكر وأما غيره فلا
(1) سبق تخريجه ص: 12.
(2) أورده ابن حجر في الإصابة 4: 59 وعزاه إلى البيهقي.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه (1984) 3: 1573 كتاب الأشربة، باب تحريم التداوي بالخمر.
وأخرجه أحمد في مسنده (18383) طبعة إحياء التراث.
(4) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 10: 5 كتاب الضحايا، باب النهي عن التداوي بالمسكر.