قال: أفلا نجعلها خلًا؟ قال: لا )) [1] رواه أحمد وأبو داود.
وهذا نهي يقتضي التحريم ولو كان إلى استصلاحها سبيل لم تجز إراقتها بل أرشدهم إليه سيما وهي لأيتام يحرم التفريط في أموالهم.
ولأنه إجماع الصحابة، وروي (( أن عمر صعد المنبر فقال: لا يحل خلُّ خمرٍ أُفسدت حتى يكون الله هو تولى إفسادها ولا بأس على مسلم أن يبتاع من أهل الكتاب خلًا ما لم يتعمد لإفسادها فعند ذلك يقع النهي ) ) [2] رواه أبو عبيد في الأموال بنحو من هذا المعنى وهذا قول يشتهر؛ لأنه خطب به الناس على المنبر فلم ينكر. وأما إذا انقلبت بنفسها فإنها تطهر وتحل في قول أكثر أهل العلم فقد روي عن جماعة من الأوائل أنهم اصطبغوا بخل خمر منهم علي وأبو الدرداء وابن عمر وعائشة ورخص فيه الحسن وسعيد بن جبير وليس في شيء من أخبارهم أنهم اتخذوه خلًا ولا أنه انقلب بنفسه لكن قد بينه عمر بقوله: (( لا يحل خل خمر أفسدت حتى يكون الله هو يتولى إفسادها ) ).
ولأنها إذا انقلبت بنفسها فقد زالت علة تحريمها من غير علة خلفتها فطهرت كالماء إذا زال تغيره بمكثه. وإذا ألقي فيها شيء ينجس بها ثم انقلبت بقي ما ألقي فيها نجسًا فنجسها وحرمها، وأما إن نقلها من موضع إلى آخر فتخللت من غير أن يلقي فيها شيء فإن لم يكن قصد تخليلها حلت بذلك؛ لأنها تخللت بفعل الله تعالى فيها، وإن قصد بذلك تخليلها احتمل أن تطهر؛ لأنه لا فرق بينهما إلا القصد فلا يقتضي تحريمها ويحتمل أن لا تطهر؛ لأنها خللت فلم تطهر كما لو ألقي فيها شيء.
مسألة: (والشرب في آنية الذهب والفضة حرام) .
هذا قول أكثر أهل العلم، وحكي عن الشافعي قول أنه مكروه غير محرم؛ لأن النهي لما فيه من التشبيه بالأعاجم فلا يقتضي التحريم.
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار
(1) أخرجه أبو داود في سننه (3675) 3: 326 كتاب الأشربة، باب ما جاء في الخمر تخلل.
وأخرجه أحمد في مسنده (11779) طبعة إحياء التراث.
(2) أخرجه أبو عبيد في الأموال (288) 105 كتاب فتوح الأرضين صلحًا، باب ما يجوز لأهل الذمة أن يحدثوا...