أما إذا أكل من لحم الأنعام أو الطير أو الصيد فإنه يحنث في قول عامة علماء الأمصار، وأما السمك فظاهر المذهب: أنه يحنث بأكله، وبهذا قال قتادة ومالك وأبو يوسف.
وقال ابن أبي موسى في الإرشاد: لا يحنث به إلا أن ينويه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ لأنه لا ينصرف إليه إطلاق اسم اللحم. ولو وكل وكيلًا في شراء اللحم فاشترى له سمكًا فلم يتعلق به الحنث عند الإطلاق؛ كما لو حلف لا قعدت تحت سقف فإنه لا يحنث بقعوده تحت السماء وقد سماها الله سقفًا محفوظًا؛ لأنه مجاز كذا هاهنا.
ولنا قول الله تعالى: {وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا} [النحل:14] ، وقال: {ومن كل تأكلون لحمًا طريًا} [فاطر:12] .
ولأنه من جسم حيوان ويسمى لحمًا فحنث بأكله كلحم الطائر، وما ذكروه يبطل بلحم الطائر وأما السماء فإن الحالف ألا يقعد تحت سقف لا يمكنه التحرز من القعود تحتها فيعلم أنه لم يردها بيمينه.
ولأن التسمية ثم مجاز وهاهنا هو حقيقة لكونه من جسم حيوان يصلح للأكل فكان الاسم فيه حقيقة كلحم الطائر حيث قال الله: {ولحم طير مما يشتهون} [الواقعة:21] .
فصل
ويحنث بأكل لحم المحرم كلحم الميتة والخنزير والمغصوب. وبه قال أبو حنيفة، وللشافعية وجهان:
أحدهما: لا يحنث بأكل اللحم المحرم بأصله؛ لأن يمينه تنصرف إلى ما يحل دون ما يحرم؛ كما لو حلف لا يبيع فباع بيعًا فاسدًا لم يحنث.
ولنا أن هذا لحم حقيقة وعرفًا فيحنث بأكله كالمغصوب، وقد سماه الله لحمًا فقال: {ولحم الخنزير} [المائدة:3] ، وما ذكروه يبطل بما إذا حلف لا يلبس ثوبًا فلبس ثوب حرير.
وأما البيع الفاسد فلا يحنث به؛ لأنه ليس ببيع في الحقيقة.