وقال أبو حنيفة وأبو ثور: لا يقبل الكتاب حتى يشهد شاهدان على ختم القاضي.
ولنا (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتابًا إلى قيصر ولم يختمه فقيل له: إنه لا يقرأ كتابًا غير مختوم فاتخذ الخاتم ) ) [1] . واقتصاره على الكتاب دون الختم دليل على أن الختم ليس بشرط في القبول وإنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ليقرؤوا كتابه.
ولأنهما شهدا بما في الكتاب وعرفا ما فيه فوجب قبوله كما لو وصل مختومًا وشهدا بالختم.
إذا ثبت هذا: فإنه إنما يعتبر ضبطهما لمعنى الكتاب وما يتعلق به الحكم، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن قوم شهدوا على صحيفة وبعضهم ينظر فيها وبعضهم لا ينظر قال: إذا حفظ فليشهد قيل: كيف يحفظ وهو كلام كثير؟ قال: يحفظ ما كان عليه الكلام والوضع. قلت: يحفظ المعنى؟ قال: نعم قيل له: والحدود والثمن وأشباه ذلك؟ قال: نعم.
ولو أدرج الكتاب وختمه قال: هذا كتابي اشهدا علي بما فيه أو قد أشهدتكما على نفسي بما فيه لم يصح هذا التحمل، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال أبو يوسف: إذا ختمه بختمه وعنوانه جاز أن يتحملا الشهادة عليه مدرجًا فإذا وصل الكتاب شهدا عنده أنه كتاب فلان. ويتخرج لنا مثل هذا؛ لأنهما شهدا بما في الكتاب فجاز وإن لم يعلما تفصيله؛ كما لو شهدا لرجل بما في هذا الكيس من الدراهم جازت الشهادة وإن لم يعرفا قدرها.
ولنا: أنهما شهدا بمجهول لا يعلمانه. فلم تصح شهادتهما؛ كما لو شهدا أن لفلان على فلان مالًا، وفارق ما ذكره فإن تعيينه الدراهم التي في الكيس أغنى عن معرفة قدرها وها هنا الشهادة على ما في الكتاب دون الكتاب وهما لا يعرفانه.
الشرط الثاني: أن يكتبه القاضي من موضع ولايته وحكمه فإن كتبه من غير ولايته لم يسغ قبوله؛ لأنه لا يسوغ له في غير ولايته حكم فهو فيه كالعامي.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (2780) 3:1074 كتاب الجهاد، باب: دعوة اليهود والنصارى.