فهرس الكتاب
هذه المسألة قد ذكرناها في باب الحدود بما أغنى عن إعادتها هنا.
مسألة: (ومن حكم بشهادتهما بجرح أو قتل ثم رجعا وقالا: عمدنا اقتص منهما، وإن قالا: أخطأنا غرما الدية أو أرش الجرح) .
أما إذا رجع الشهود عن شهادتهم بعد أدائها لم يخل من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يرجعوا قبل الحكم بها فلا يجوز الحكم بها في قول عامة أهل العلم، وشذ أبو ثور عن أهل العلم فقال: يحكم بها؛ لأن الشهادة قد أديت فلا تبطل برجوع من شهد بها كما لو رجعا بعد الحكم، وهذا فاسد؛ لأن الشهادة شرط الحكم فإذا زالت قبله لم يجز كما لو فسقا.
ولأن رجوعهما يظهر به كذبهما. فلم يجز الحكم بها؛ كما لو شهدا بقتل رجل ثم علم حياته.
ولأنه زال ظنه في أن ما شهد به حق. فلم يجز له الحكم به؛ كما لو تغير اجتهاده. وفارق ما بعد الحكم فإنه تم بشرطه.
ولأن الشك لا يزيل ما حكم به كما لو تغير اجتهاده.
الحال الثاني: أن يرجعا بعد الحكم وقبل الاستيفاء فينظر فإن كان المحكوم به عقوبة؛ كالحد والقصاص لم يجز استيفاؤه؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات ورجوعهما من أعظم الشبهات.
ولأن المحكوم به عقوبة لم يبق ظن استحقاقها ولا سبيل إلى جبرها فلم يجز استيفاؤها؛ كما لو رجعا قبل الحكم. وفارق المال فإنه يمكن جبره [1] بإلزام الشاهدين عوضه، والحد والقصاص لا ينجبر بإيجاب مثله على الشاهدين؛ لأن ذلك ليس بجبر ولا يحصل لمن وجب له منه عوض وإنما شرع للزجر والتشفي والانتقام لا للجبر. وإن كان المشهود به مالًا استوفي ولم ينقض الحكم في قول أهل الفتيا من علماء الأمصار.
وحكي عن سعيد بن المسيب والأوزاعي أنهما قالا: ينقض الحكم وإن استوفي
(1) في الأصل: جبرها. وما أثبتناه من المغني 12: 137.