فهرس الكتاب
الحق؛ لأن الحق يثبت بشهادتهما فإذا رجعا زال ما يثبت به الحكم فنقض الحكم كما لو تبين أنهما كانا كافرين.
ولنا أن حق المشهود له وجب له فلا يسقط بقولهما كما لو ادعياه لأنفسهما. يحقق هذا: أن حق الإنسان لا يزول إلا ببينة أو إقرار ورجوعهما ليس بشهادة ولهذا لا يفتقر إلى لفظ الشهادة ولا هو [1] إقرار من صاحب الحق. وفارق ما إذا تبين أنهما كانا كافرين؛ لأنا تبينا أنه لم يوجد شرط الحكم وهو شهادة العدول وفي مسألتنا لم [2] يتبين ذلك لجواز أن يكونا عدلين صادقين في شهادتهما وإنما كذبا في رجوعهما ويفارق العقوبات حيث لا تستوفى لأنها تدرأ بالشبهات.
الحال الثالث: أن يرجعا بعد الاستيفاء فإنه لا يبطل الحكم ولا يلزم المشهود له شيء، سواء كان المشهود به مالًا أو عقوبة؛ لأن الحكم قد تم باستيفاء المحكوم به ووصول الحق إلى مستحقه ويرجع به على الشاهدين ثم ينظر فإن كان المشهود به إتلافًا في مثله القصاص؛ كالقتل والجرح نظرنا في رجوعهما فإن قالا عمدنا الشهادة عليه بالزور ليقتل أو يقطع فعليهما القصاص. وبهذا قال ابن أبي ليلى والشافعي.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا قود عليهما؛ لأنهما لم يباشرا الإتلاف فأشبها حافر البئر وناصب السكين إذا تلف بهما شيء.
ولنا (( أن عليًا شهد عنده رجلان على رجلٍ بالسرقة فقطَعَه. ثم عادا فقالا: أخطأنا ليس هذا هو السارق. فقال علي: لو علمت أنكما تعمّدتما لقطعتكما ) ) [3] .
ولا مخالف له في الصحابة فيكون إجماعًا.
ولأنهما تسببا إلى قتله أو قطعه بما يفضي إليه غالبًا فلزمهما القصاص كالمكره. وفارق الحفر ونصب السكين فإنه لا يفضي إلى القتل غالبًا.
وأما إن قالا: عمدنا الشهادة عليه ولم نعلم أنه يقتل بهذا وكانا ممن يجوز أن يجهلا
(1) في الأصل: وهو. وما أثبتناه من المغني 12: 138.
(2) زيادة من المغني 12: 138.
(3) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 10: 251 كتاب الشهادات، باب الرجوع عن الشهادة.