لأنها تعتق بموت سيدها ويزول الملك عنها. روي هذا عن عمر وعثمان وعائشة وعامة الفقهاء، وروي عن علي وابن عباس وابن الزبير إباحة بيعهن وإليه ذهب داود.
وقد روى صالح بن أحمد قال: قلت لأبي: إلى أي شيء تذهب في بيع أمهات الأولاد؟ قال: أكرهه، وقد باعهن علي بن أبي طالب.
وقال في رواية ابن منصور: لا يعجبني بيعهن.
قال أبو الخطاب: وظاهر هذا أنه يصح بيعهن مع الكراهة، فجعل هذا رواية ثانية عن أحمد، والصحيح أن هذا ليس برواية مخالفة لقوله: إنهن لا يبعن؛ لأن السلف كانوا يطلقون الكراهة على التحريم كثيرًا، ومتى كان التحريم والمنع مصرحًا به في سائر الروايات وجب حمل هذا اللفظ المحتمل على المصرح به ولا نجعل ذلك اختلافًا.
واحتج من أجاز بيعهن بما روى جابر قال: (( بِعْنَا أمهاتِ الأولادِ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ. فلما كان عمرُ نَهانَا فانتهَيْنَا ) ) [1] رواه أبو داود.
وما كان جائزًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر لم يجز نسخه بقول عمر ولا غيره.
ولأن نسخ الأحكام إنما يجوز في عصر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النص إنما ينسخ بنص.
وأما قول الصحابي فلا يَنسَخ ولا يُنسخ به؛ فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتركون أقوالهم؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يتركونها بأقوالهم. وإنما تُحمل مخالفة عمر لهذا النص على أنه لم يبلغه ولو بلغه لم يعده إلى غيره.
ولأنها مملوكة لم يعتقها سيدها ولا شيئًا منها ولا قرابة بينه وبينها؛ كما لو ولدت من ابنه في نكاح أو غيره.
ولأن الأصل الرق ولم يرد بزواله نص ولا إجماع ولا ما في معنى ذلك فوجب البقاء عليه.
ولأن ولادتها لو كانت موجبة لعتقها لثبت العتق بها حين وجودها؛ كسائر أسبابه.
(1) أخرجه أبو داود في سننه (3954) 4: 27 كتاب العتق، باب في عتق أمهات الأولاد.