أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة. والأصل فيه قول الله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ منْ أَيَّامٍ أُخَر} [البقرة:184] والمرض المبيح للفطر هو الشديد الذي يزيد بالصوم أو يتأخر برؤه بسبب الصوم. قيل لأحمد: متى يفطر المريض؟ قال: إذا لم يستطع. قيل مثل الحمى؟ قال: وأي مرض أشد من الحمى.
إذا ثبت هذا فإن تحمل المريض وصام مع هذا فقد فعل مكروهًا لما يتضمنه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف الله وقبول رخصه. ويصح صومه ويجزئه؛ لأنه عزيمة أبيح تركها رخصة. فإذا تحمله أجزأه؛ كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة إذا حضرها، والذي يباح له ترك القيام في الصلاة إذا قام فيها.
والصحيح الذي يخشى المرض بالصيام كالمريض الذي يخاف زيادته في إباحة الفطر؛ لأن المريض إنما أبيح [1] له الفطر خوفًا مما يتجدد بصيامه من زيادة المرض وتطاوله، فالخوف من تجدد المرض في معناه. قال أحمد: فيمن به شهوة غالبة للجماع يخاف أن تنشق أنثياه فله الفطر، وقال في الجارية: تصوم إذا حاضت فإن جهدها الصوم فلتفطر ولتقضِ يعني: إذا حاضت وهي صغيرة لم تبلغ خمس عشرة سنة. قال القاضي: هذا إذا كانت تخاف المرض بالصيام أبيح لها الفطر وإلا فلا.
مسألة: (وكذلك المسافر) .
يعني: أن المسافر يباح له الفطر. فإن صام كره له ذلك وأجزأه، وجواز الفطر للمسافر ثابت بالنص والإجماع، وأكثر أهل العلم على أنه إن صام أجزأه.
والأفضل عند إمامنا الفطر في السفر؛ لما فيه من الأخذ برخص الله والخروج عن الخلاف فإن أبا هريرة قال: لا يصح صوم المسافر، وقال أحمد: كان عمر وأبو هريرة يأمران المسافر إذا صام في السفر أن يقضي في الحضر.
وروى الزهري عن أبي سلمة عن أبيه عبد الرحمن بن عوف أنه قال: (( الصائمُ في السفر كالمُفطِر في الحضر ) ) [2] وقال بهذا قوم من أهل الظاهر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ليس
(1) في الأصل: يبيح. وما أثبتناه من المغني 3: 86.
(2) أخرجه النسائي في سننه (2285) 4: 183 كتاب الصيام، ذكر قوله: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر.