عن رأي كان عازمًا عليه. وثنيت عنان دابتي إذا صرفتها عن وجهتها التي كانت تذهب إليها، وغير الجنس ليس بداخل في الكلام، فإذا ذكره فما صرف الكلام عن صوبه ولا ثناه عن وجه استرساله فلا يكون استثناء وإنما يسمى استثناء تجوزًا. وإنما هو في الحقيقة استدراك.
الحكم الثاني: إذا استثنى عينًا من ورق أو ورقًا من عين فاختلف أصحابنا في صحته فذهب أبو بكر عبد العزيز إلى أنه لا يصح؛ لما ذكرنا، وهو قول محمد بن الحسن.
وقال ابن أبي موسى: فيه روايتان، واختار الخرقي صحته؛ لأن قدر أحدهما معلوم من الآخر، ويعتبر بأحدهما عن الآخر. فإن قومًا يسمون تسعة دراهم دينارًا وآخرون يسمون ثمانية دينارًا، فإذا استثنى أحدهما من الآخر علم أنه أراد المعبر بأحدهما عن الآخر. فإذا قال: له عليّ دينار إلا ثلاثة دراهم في موضع يعبر فيه بالدينار عن التسعة، كان معناه: له عليّ تسعة دراهم إلا ثلاثة. ومهما أمكن حمل الكلام على وجه صحيح لم يجز إلغاؤه وقد أمكن بهذا الطريق فوجب تصحيحه.
وقال أبو الخطاب: لا فرق بين العين والورق وبين غيرهما فيلزم من صحة استثناء أحدهما من الآخر صحة استثناء الثياب وغيرها، وقد ذكرنا الفرق. ويمكن الجمع بين الروايتين بحمل رواية الصحة على ما إذا كان أحدهما يعبر به عن الآخر أو يعلم قدره منه ورواية البطلان على ما إذا انتفى ذلك.
مسألة: (ومن ادعى عليه شيء فقال: قد كان له علي وقضيته لم يكن ذلك إقرارًا) .
حكى ابن أبي موسى في هذه المسألة روايتين:
إحداهما: أن هذا ليس بإقرار. اختاره القاضي وقال: لم أجد عن أحمد رواية بغير هذا.
والثانية: أنه مقر بالحق مدع لقضائه فعليه البينة بالقضاء، وإلا حلف غريمه وأخذ. اختاره أبو الخطاب، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه أقر بالدين وادعى القضاء. فلم تقبل دعواه؛ كما لو ادعى القضاء بكلام منفصل.