ثم التفصيل إنما هو بحسب العلم، وبحسب ما تدل الأدلة الشرعية التفصيلية عليه من كون هذا الشيء مما يدخل في معنى الطاغوت المشترط الكفرُ به لصحة الإيمان، ولا يكون المؤمن مؤمنا إلا بالكفر به، أو غير ذلك، وهكذا.
فمن علم أن الحاكم الفلاني والدولة الفلانية مرتدون، وجب عليه الكفر بهم والبراءة منهم ومن نظامهم الكفريّ ومن الكون معهم، فإن لم يفعل كفَر.
ومن جهل أنهم مرتدون وظنهم مسلمين والتبس الأمرُ عليه، واستمرّ متمسّكا بأصل إسلامهم، فكيف نكفره بدعوى أنه لم يكفر بالطاغوت؟ لأنه يقول لنا: أثبتوا لي أن هذا طاغوتٌ حتى أكفر به.!
وسبب ذلك أن تكفيرنا لهؤلاء الحكام المرتدين هو مسألة من العلم النظري الاستدلالي، هذا هو الأغلب في تكفير حكام أهل عصرنا.
وليست هي مسألة معلومة من الدين بالضرورة مما وقع عليها إجماع المسلمين (كمن أعلن وصرّح بخروجه من الإسلام والكفر به مثلا، أو ما في قوته كصورة مسيلمة الكذاب) حتى لا تقبل دعوى مخالفٍ جاهلٍ فيها.
فكون الرجل المسلم منخرطًا في جيش الدولة المرتدة على النحو الموجود في عصرنا في بلداننا، هل هذا مما يدخل -مطلقا- في الإيمان بالطاغوت الذي هو مناقض للتوحيد، فنحكم بكفره بدون قيد؟
الذي يظهر هو التفصيل الذي ذكرناه سابقًا، وذلك لأن هؤلاء الطواغيت ردّتهم مسألة فتوى، وهي غير ظاهرة لكثير من الناس من عوامّ المسلمين، لغلبة الجهل، والتلبيس، وغير ذلك من الأسباب التي تجعلنا لا نكفّرهم ابتداء حتى نعرف حالهم من أي صنف هم وعلى أي حال انخرطوا في جيش الطاغوت ومدى معرفتهم بردته.
فإذا وُجِد حالةٌ يرى المفتي فيها أن ردة النظام المعيّن والحاكم المعيّن مما يبلغ درجة المقطوع به والمعلوم بالضرورة كفرُ مثله ولا يمكن قبول خلافٍ فيه ألبتة، كان له أن يحكم بكفر كل من كان في صفه، ومَن لم يكفّره ويتبرّأ منه، والله أعلم، وبالله التوفيق. [عطية الله - لقاء الحسبة]