الراجح من أقوال العلماء في اعتبار حقيقة الدار هو بما يعلوها ويجري عليها من الأحكام، مع النظر للغلبة والقهر والسلطان، فإن كان القهر والغلبة والسلطان للمسلمين فإن الدار تعتبر دار إسلام، وإن كان القهر والغلبة والسلطان للكفار فإن الدار تعتبر دار كفر، وهذا هو مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو قول صاحبي أبي حنيفة أبي يوسف ومحمد رحمهم الله جميعًا.
-فعلى هذا الاعتبار، فإنه ليس ثمة ما يمنع من انقلاب دار الإسلام إلى دار كفر إذا تغلب عليها الكفار وأجروا فيها أحكامهم، وتمكن سلطانهم، خلافًا لما ذهب إليه بعض علماء الشافعية من أن دار الإسلام لا تنقلب دار كفر مطلقًا.
-وبناءً على ما ذُكِر وبالنظر إلى معظم بلدان المسلمين اليوم، فإنها تعتبر دار كفر وردة، حيث غلب عليها الكفرة المرتدون، وأجروا على أهلها أحكامهم، وقهروهم بسلطانهم، وألزموهم بقوانينهم، وأشبه الحالات التاريخية التي مرت بها الأمة بحالتها اليوم هو غلبة العبيديين على مصر، حيث نقل الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- اتفاق العلماء على اعتبارها دار ردة رغم وجود الكثير من العلماء والعباد والزهاد فيها، ورغم إقامة العبيدين للصلوات والجمع والأعياد وغير ذلك من الشعائر.
-أنه لا تلازم لا شرعًا، ولا عقلًا، ولا عرفًا، ولا عادةً بين اعتبار الدار دار كفر وبين الحكم على أهليها، فالكافر كافر في أي بلد هو، والمسلم مسلم أينما وُجِد، وحيثما كان فهو معصوم الدم، والمال، والعرض، والدار لا تحل شيئًا حرمه الشرع، ولا تحرم شيئًا أحله الشرع، وعليه فإن الشعوب المحكومة اليوم بالقوانين الوضعية، والقاطنة في الديار التي هي ديار كفر وردة تعتبر شعوبًا مسلمة، لها حرمة الإسلام كاملة في دمائها، وأنفسها، وأموالها، وأعراضها، لم تغير الدار في حقها شيئًا، ومن أتى من أفرادها ناقضًا من نواقض الإيمان مع تبين الشروط وانتفاء الموانع في حقه فحكمه في هذه الديار تمامًا كحكمه فيما لو كان في دار الإسلام وهو الكفر. [أبو يحيى- منة الخبير]