فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 260

"إن دور القيادة هو الحفاظ على قوة التجمع واستمرارية العمل وهذا لا يمكن أن يتم إلا بالحفاظ على الجنود، فالعنصر البشري يعتبر من أندر وأغلى العناصر في التجمع على الإطلاق، حيث من الصعب إيجاد نماذج من البشر يبيعون كل ما لديهم لخدمة دين الله تعالى، ويؤثرون على أنفسهم في زمن غلبت فيه صفات الأنانية واللامبالاة والحرص على المال والمتاع الدنيوي الزائل، وأصبح التوفر على هذه النماذج الفريدة حلمًا بعيد المنال في جل التجمعات الإيمانية المعاصرة. فقوتهم تعني قوة التجمع وضعفهم يعني ضعف هذا الأخير وتفككه ثم اندثاره."

وقد أشار إلى هذه الحقيقة الأنصاري أبو الهيثم بن التيهان خلال بيعة العقبة، حينما قال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟

وكل الناس لديهم حبال وعلاقات مع فئات كثيرة في المجتمعات التي يريدون تغييرها، ولديهم مصالح مادية يحرصون عليها، أهمها تأمين حياة أهليهم وأبنائهم، وانتماؤهم لجماعات الحق من شأنها أن تؤثر سلبًا على هذه المصالح ويمكنهم أن يفقدوها كثمن لهذا الانتماء، والمؤمن مستعد أن يضحي بكل هذه المصالح في سبيل الله، وهو رغم ذلك يحاول أن يجد بديلًا عنها داخل تجمعه الإيماني، وهذا من طبيعة البشر وتعبير عن بعض الضعف الذي يعتريه:"فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟"

فكان جواب القيادة تعبيرًا على تحمل مسؤولية وتبعات هذه البيعة، قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بل الدم الدم والهدم والهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم.

هكذا كالجسد الواحد، التحام متين وعلاقة وطيدة وتفاني في التضحية والدفاع عن هذا الجسد، لا مجال للتفريق بين عضو وآخر، والقيادة الصالحة تدرك هذا جيدًا وتجسده في الواقع الفعلي وليس بمجرد الكلمات المعسولة والوعود الكاذبة، بل الدم الدم والهدم الهدم، أنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت