لَا يَدْرِي لَوْ شَهِدَهُ كَيْفَ يَكُونُ فِيهِ (2)
أخرج البخاري في الأدب المفرد عن جبير بن نفير قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ يَوْمًا فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: طُوبَى لِهَاتَيْنِ الْعَيْنَيْنِ اللَّتَيْنِ رَأَتَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهِ لَوَدِدْنَا أَنَّا رَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ وَشَهِدْنَا مَا شَهِدْتَ، فاستُغضِبَ فَجَعَلْتُ أعجبُ، مَا قَالَ إِلَّا خَيْرًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ:
مَا يَحْمِلُ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ يَتَمَنَّى مُحْضَرًا غَيَّبَهُ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَدْرِي لَوْ شَهِدَهُ كَيْفَ يَكُونُ فِيهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ حَضَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَامٌ كَبَّهُمُ الله على مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ لَمْ يُجِيبُوهُ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ، أَوَلَا تَحْمَدُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ أَخْرَجَكُمْ لَا تَعْرِفُونَ إِلَّا رَبَّكُمْ فَتُصَدِّقُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ كُفِيتُمُ الْبَلَاءَ بِغَيْرِكُمْ، وَاللَّهِ لَقَدْ بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَشَدِّ حَالٍ بُعِثَ عَلَيْهَا نَبِيٌّ قَط فِي فَتْرَةٍ وَجَاهِلِيَّةٍ مَا يَرَوْنَ أَنَّ دِينًا أفضلُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ؛ فَجَاءَ بفُرقان فرَّق بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وفرَّق بِهِ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلده، حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَرَى والدَه أَوْ ولدَهُ أَوْ أَخَاهُ كَافِرًا، وَقَدْ فَتْحَ اللَّهُ قُفْل قَلْبِهِ بِالْإِيمَانِ، ويعلمُ أنَّه إِنْ هَلك دَخَلَ النَّارَ؛ فَلَا تَقَرُّ عَيْنُهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ حَبِيبَهُ فِي النَّارِ وَأنَّهَا لِلَّتِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) .
يقول الشيخ العلاّمة محمود محمد شاكر _ رحمه الله _ [1] :
"هذا خبرٌ يدمي القلوب، ويبكي الأعين، ويلقي الرعب في النفوس، وهو عظيم الدِلالة على مقدار التصدع والتمزق الذي لقيه العرب الذين كانوا في الجاهلية، ثم اجتازوا الهول كله إلى الاسلام، وصحبوا تاليَ القرآن عليهم صلوات الله عليه، ولكن يا سوء ما صرنا إليه!"
أن يجترأ مجترأٌ غيّبه الله عن محضرٍ، لا يدري لو شهده كيف يكون فيه؛ فيتهجم على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغمس لسانه وقلمه فيما وقع بينهم من خلاف، ويقضي في أمر إسلامهم [ ... ] ، قضاءً يوجب له أن يقول:"إن فلانًا وفلانًا وفلانًا من"
(1) محاضرة صوتية بعنوان"القرآن الكريم والشعر الجاهلي"الدقيقة 58