التناقض؟ فلأن الخطاب الإعلامي والسياسي للمجلس بني على احتياجاته وبيئة عمله وليس على حقائق الواقع ومرارته.
منذ اليوم الأول لوقائع الثورة السورية، لم يكن أداء النظام في الدفاع عن نفسه ليخرج عن المنطق الطائفي، ولا بمقدار ذرة. والعجيب أنه لم يجد أدنى حرج في أدائه، بقدر ما غالى في الانحياز، لأبشع الممارسات الطائفية بحق المجتمع السوري. فالأداء طائفي بامتياز، سواء في مستوى المواجهات اليومية، وطرق القتل والاعتقال والخطف والتعذيب والاغتصاب والسلب والنهب والاعتداء ... أو في مستوى المنظومة الأخلاقية، التي حفلت باستعمال أقبح العبارات والسباب والشتائم والممارسات البذيئة والمنكرَة، حتى تلك التي وردت على لسان المسؤولين والدبلوماسيين، ناهيك عن فحش وإجرام رجال الأمن والشبيحة والفرقة الرابعة، أو في مستوى الاعتقاد الذي تجلى في عدة صيغ كفرية، كانتهاك حرمة المساجد واستهدافها أو الدفاع عن ألوهية الرئيس السوري والتطاول على الله عز وجل، أو في مستوى تحالفاته مع الشيعة في لبنان وإيران والعراق، أو في المستوى الإعلامي، الذي تصدرته القنوات الشيعية وأبواقها المدافعة عما تراه النظام المعادي لأمريكا و «إسرائيل» .
النظام في سوريا طائفي، وليس عائلي، ولا فردي، ولا هو مجرد عصابة تحكم .. بل طائفة. ولا شك أن الحديث عن بنية النظام الطائفي في سوريا، متشعب بصورة مرعبة. ومع أن الطائفة العلوية نكبت بهذا النظام، إلا أنها تورطت في جرائمه، إلى الحد الذي غدت فيه، كما لو أنها، منقادة إلى حتفها، عاجلا أم آجلا. هذا لأنها ربطت مصيرها بمصير النظام ذاته. ومنذ ما قبل زيارة السفير الأمريكي (7/ 7/2011) لمدينة حماة بقليل، اعتقد الكثير أن المدينة ستتعرض لمذبحة ثانية بين لحظة وأخرى. والحق أنها واجهتها إلى حد كبير. لكن المدينة التي استهدفت في الصميم، أكثر من حماة، ولمّا تزل، كانت حمص، باعتبارها مركز الحرب الطائفية الشرسة، التي يخوضها النظام ضد سكان المدينة بشكل خاص، وباقي أنحاء سوريا بشكل عام.
لا شك أن الكثير من غير السوريين خاصة، وقفوا حائرين إزاء الهجمة الوحشية الشرسة، التي تستهدف حمص وأحيائها، كحي بابا عمرو وبابا السباع وغيرها، أو إزاء كثافة حركات الانشقاق في الجيش، فضلا عن المواجهات الضارية مع قوات النظام وأجهزته الأمنية. كما تساءلوا عن الخلفية، التي تقف وراء حدة التصريحات العربية والدولية، وحتى السورية الرسمية، وهي تحذر من حرب أهلية وشيكة الوقوع، أو تلك التي تراها واقعة فعلا في المنطقة، أو تلك التي ترجح بشدة احتمال وقوعها. فما الذي يجيب على مثل هذه التساؤلات؟
منذ وصول الطائفة إلى الحكم بدأ النظام بإعداد حمص لتكون عاصمة للطائفة وملاذها الأخير، في صيغة دولة مستقلة أو كيان ذاتي، بحيث تبقى الطائفة في الواجهة الاجتماعية والسياسية، وللحيلولة دون تعرضها لخطر التهميش والازدراء وحتى الإبادة. لذا فقد بدأت عملية الاختراق الديمغرافي للمدينة مبكرا، حتى وصلت أعداد العلويين فيها إلى ما يزيد على مأئتي ألف نسمة. لكن مع تفجر الثورة، وشعور النظام بالخطر الماحق الذي يتهدده، بدأ يحث الخطى نحو إنجاز مشروع «الملاذ المنشود» ، بحيث يشمل الجزء الغربي من المدينة،