فهرس الكتاب

الصفحة 317 من 413

السياسي، وموقف الاعتراضات السافرة لمسار الثورات بحيث تبقى في مواطنها بعيدا عن المركز؟ الجواب الوحيد هو مصالح المركز ولا شيء غيرها.

مبدئيا، ثمة مشهد مشرق للثورات العربية بعيون «المركز» ، خاصة بعد أن «تدارك» خطأه في الثورة التونسية، وأخذ يتصدر الدفاع عن مطالب الشعوب المقهورة ويثني على شجاعتها!!! لكنه ثناء ماكر وخبيث فيما يزعمه من نصرة، ومع ذلك يجد من يصدقه ويدعوه للتدخل، بل ويعبر عن امتنانه له!!! بينما هو في الواقع كحال المومس من الطهر والعفاف حين تدعي شرفا.

فما يجري في العالم العربي من ثورات باغتت الجميع تمثل، من باب آخر، فرصة ثمينة لـ «المركز» كي يخرج من أزماته المستفحلة. فالتدخلات السياسية والأمنية والمسلحة تصب، هي ونتائجها، في خدمة مصالحه واستراتيجياته. أما الثروات العربية المنهوبة، والمسجلة بحسابات مشفرة وغير مشفرة، باسم الفاسدين من العرب، والمكدسة في بنوك «المركز» ، فقد باتت صيدا سهلا وثمينا له، كي يشرع في عملية نهب واسعة النطاق .. نهب ليس ثمة من هو قادر على مراقبته أو ردعه أو إخضاعه لأية مساءلة، طالما أن النهابين هم قادة «المركز» ، وطالما أن الفاسدين سقطوا، وباتوا قيد التشهير والملاحقة القانونية. هكذا يمكن أن نفهم لهفة «المركز» على التدخل في ليبيا، طمعا في ثرواتها، أو الصمت، الخبيث، على القتل الوحشي في سوريا، وكذا التدخل السافر في اليمن .. فهو، من جهة، تدخل يستدعي الاحتفاظ بالسيطرة على الهامش، ورفع التكلفة، أملا في إطالة أمد الثورات. ومن جهة أخرى الاجتهاد في توفير فائض من الوقت، يكفي لإدارة عملية النهب بصورة منظمة لتحقيق أفضل النتائج!!! هذه هي حقيقة النظام الرأسمالي في بعضٍ من أوسخ قيمه وأخلاقه.

لكن المشهد المزعج للثورات العربية فهو ذاك الذي يبعث على الفزع في «المركز» ، وهو الذي يجهد في اعتراضه بكل ما أوتي من قوة. إنه مشهد هجرة الثورات. فماذا لو نجحت الثورات العربية في اعتراض النظام الرأسمالي، وهاجرت إلى ساحات وميادين أوروبا؟ فهناك يستوطن القتلة، وصناع الكذب، ورؤوس الطغيان، وعمداء الاستبداد، ورموز الشر والعدوان والهيمنة العالمية .. وهناك أيضا، مدارس لتعليم وتصدير فنون استعباد الشعوب، ونهبها، وإفقارها .. ألا يستحق «المركز» ثورة في عقر داره؟ لعله كذلك.

ففي هذا الوجه المقلق؛ يجتهد «المركز» ، ليل نهار، لتشويه الثورات العربية عبر إغراقها في الفعل الدموي أو تمييعها .. لا لهدف، إلا لإطفاء بريقها، والحيلولة دون انتقالها إلى بلادهم، أو استلهام شعوبهم لها، كنماذج قادرة على التغيير، والخروج من الأزمات والمآزق، دون خسائر كبيرة!!!

هذا الوجه؛ هو الحقيقة المرعبة التي يعيشها «المركز» ، ويخشى منها بدء من أوروبا .. وجه سارع الإسبان لاحتضانه، في ساحة «بويرتا ديل سول» ، الواقعة في قلب مدريد، والاعتراف بفضله، وتوقيره، بصريح اللفظ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت