فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 413

ما يكون عن المصالح الشرعية والدنيوية، وأقرب ما يكون إلى مصالحهم وأهوائهم. فهم بهذا الفعل إنما يعبرون عن خصومة شخصية مع النظام وليس عن مصير أمة أو عن عقيدتها، بل أنهم يحشرون الثورة السورية في مربعاتهم، ويسعون لجرها، إما إلى نهاية وخيمة ومبكرة، وإما إلى تقديم الأمة كلها وجبة دسمة على موائد اللئام. فإذا ما ظنوا، عبثا، أن لديهم ما يكفي لدفع أي ثمن؛ فسيكتشفون، متأخرين، أنهم عاجزون عن الوفاء بالتزاماتهم. فمن أين سيدفعوا البقية الباقية؟

لن يكون لديهم ما يدفعوه، حتما، إلا دمار سوريا، وذبح أهلها، وخيانة قضايا الأمة، وعقيدتها، وحقوقها، التي فرط بها النظام الطائفي، حين نصب نفسه، منذ قيامه، درعا يحمي «إسرائيل» ، ويذبح الحركات الوطنية، ويمارس الابتزاز والقتل، ويهدد بإشعال الشرق الأوسط في ست ساعات. ولو أن الأمور ستسير على هذا المنوال، فما الذي سيمنع بقية الثورات العربية المنتظرة من طلب الحماية الدولية أسوة بمن سبقها؟ فهل يدرك هؤلاء أن مراهناتهم على «المركز» تعني التسليم التام بسياساته ومطالبه وشروطه؟ وهل يدركوا عواقب ما يروجون له من كوارث، وهم يحبطون الأمة، ويلقون بالثورات العربية في أحضان «الناتو» ؟

هؤلاء لا يؤمنون قط بوجود مشكلة بين الأمة و «المركز» ، وعلى رأسه الأمريكيين. وهم أشبه ما يكونوا بالنظم السياسية المستبدة. ففي أول اختبار جدي صاروا، مثلها، يسابقون الزمن في تحقيق مصالحهم، ولو في عقر ديار الأعداء العقديين للأمة. وفي المحصلة لا فرق بينهم وبين النظم المستبدة، أو القوى السياسية الحليفة لها، أو الأيديولوجيات الوضعية الهدامة. هؤلاء دائما ما يبحثون عن المساومات، وعن أسهل الطرق، ولو على حساب الأمة، ولو على حساب عقيدتها ومصيرها ودماء أهلها.

ففي سوريا، وبحسب هؤلاء، فإن 23 مليون، سوري، أغلبيتهم الساحقة من أهل السنة، عاجزون اليوم عن مواجهة نظام طائفي تجتمع، على إسقاطه، كل أمة المسلمين!!! وكأنهم يقولون للعالم نحن أمة عاجزة!!! فإنْ كنا كذلك؛ فما من حاجة لنا بالتحرر، وما من حاجة لنا بالاحتجاج ودفع الظلم. لأننا، قبل التدخل الدولي، سنكون ملزمين بالإجابة على السؤال: هل سيأتينا «الناتو» ، حقا، بالحرية على أجنحته البريئة؟ وهل نحن قادرون على الاحتفاظ بها؟ وهل سنجرؤ على مواجهة «إسرائيل» ، أو انتزاع هضبة الجولان منها، وإعادة المهجرين من أهلها إليها؟ وهل نحن قادرون على التخلص من الهيمنة ونحن نستعين برموزها وقواتها؟

هؤلاء كانوا يتمسكون، في بداية الثورة، بتعبير «السلمية» ، ويحاربون كل من يتحدث عن مجاهدة النظام، ولا يطيقون سماع كلمة «جهاد» ولا «روافض» ولا حتى «علوية» . لكنهم اليوم يتحدثون عن كل شيء، ويحرضون بأقصى طاقاتهم، على طلب «الحماية الدولية» ، ولا يرتضون حتى نصيحة، ويزعمون أنهم يعرفون عقيدتهم ولا يحتاجون من يذكرهم بها!!! وهي نفس مواقف الليبيين في الأيام الخمسة الأولى حين وصلت الثورة إلى أبواب ثكنة العزيزية دون حاجة لـ «الناتو» !!! لكنهم بعدها انقلبوا مطالبين بسرعة فرض «الحظر الجوي» !!! ويا له من حظر!!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت