المستشفى وهو يضج بالضحك لما حدث ويحدث. لقد حمل المجاهدون كل هؤلاء الذين أصيبوا
عند المدفع وأنزلوهم إلى الوادي حيث كدسوا الجميع في سيارة (بيك آب) .
وكان صديقنا قد نزل بمساعدة من أبوحفص. وكانت معاناته داخل السيارة أشد من
معاناته من الجروح بل ومن القصف الجوي فكل شخص داخل السيارة يحمل فوق
رأسه وأرجله وبدنه أجزاء من الآخرين ودماء مختلطة من الجميع أما مطبات الطريق فحدث
ولا حرج ناهيك عن خطر قذائف مدفعية العدو أو صواريخ الطائرات التي تترصد أي تحرك
لسيارات المجاهدين بعد كل ذلك هل من مزيد؟ ..
نعم هناك المزيد .. يقول أبوعبيدة .. أنه فوق كل تلك المصائب فإن أحد الضباط الباكستانيين
أطلق من بطنه ريحًا كريه ً ة زكمت الأنوف وخنقت الأنفاس .. فصاح أبوعبيدة بأعلى صوته
(لأ مش كده .. أنا أنزل أسلم نفسي للروس أحسن) ...
وإنفجر أبوعبيدة ضاحكًا خاصة وأن الضابط الباكستاني لم يرضخ للتهديدات وواصل
إطلاق الغازات الخانقة!!. وربما من أجل ذلك قلده ضياء الحق وسام الشجاعة رغم أنه لم
يسقط أي طائرة سوفيتية.
لم تكن مساهمة أبوحفص وأبوعبيدة مفيدة كما لم تكن من وجهة نظري حكيمة. ولكنها
أفادت كثيرًا في تشكيل فكرهما العسكري. فقد كانت (جاور) هي مدرستهما العسكرية الرئيسية،
وما استفاداه من دروس في تلك المعركة كان عدتهما الرئيسية في معركة (جاجي) التي دارت
بعد ذلك بعام تقريًا لتكون أول وأشهر معارك العرب في أفغانستان، ومنعطفًا في تاريخ التواجد
الجهادي للعرب في تلك القضية. وكلاهما كان فارس ميدان تلك المعركة وقائداها الحقيقيان.
لقد إستغرقنا وقتًا طوي ً لا بعد ذلك في بحث ونقاش حول معركة جاور وأفادنا كثيرًا التمعن في
أحداثها. وقارنا بين ما أحدثه كمين واحد في المعركة أدى إلى تدمير كتيبة كوماندوز تقريبًا.
وبين دفاع ثابت عن جاور أدى إلى إصابة قائد المعركة وإستشهاد عدد من كبار قادة
المجموعات في حادث المغارة، وعدد من أشجع أطقم المدفعية المضادة للطيران.
وكنا مقتنعين تمامًا بأن ملحمة المدفعية المضادة لم يكن لها ما يبررها وأن خسائرها أكبر
كثيرًا من فوائدها .. وأن أسلوب الكمائن المتنقلة هو خير أسلوب في تلك الحالات.
وكان ذلك الدرس هو مفتاح النجاح لهما في معركة جاجي.
وكأن تلك النقاشات كانت تضع تصورًا مفيدًا للغاية لمعارك (جاجي) التي قادها أبوحفص
وأبوعبيدة وكان أروع ما فيها ذلك الكمين الذي أوقعوا فيه قوة للكوماندوزالسوفييت