الباب يندفع نهر غاضب من الماء العكر يمكنه أن يحمل جملا ويحطمه فوق الصخور.
إنتهى كل شيئ فجأة كما بدأ .. حتى أن الشمس أشرقت مرة أخرى .. ثيابنا مبتلة،
وكذلك الحقائب بما فيها من ملابس إحتياطية .. والأهم من ذلك كله الأسلحة ومعظم الذخائر ..
ومعداتنا الألكترونية!!. كانت لطمة قاسية .. لابد من العودة مرة أخرى إلى ميرانشاه لمحاولة
إصلاح (الرومت كنترول) .. وإذا لم نستطيع فعلينا إعادته مرة أخرى إلى بشاور حيث ورشة
الألكترونيات فى (بابى) . سوف يكون العدو قد أكمل سحب قواته بالطائرات قبل أن نتمكن من
فعل شيئ. إعتبرنا ما حدث كارثة كبيرة .. ولم ندرى أن العدو على موعد مع كارثة أعظم فى
الغد .. كارثه نووية في أوكرانيا بالإتحاد السوفيتى حيث إنفجر المفاعل النووى في شيرنوبل!!.
بعد العصر قمنا بدورية فوق قمم الجبال .. حلقت فوقنا طائرات نفاثة للعدو .. ولكنها لم تقصفنا ..
إلتزمنا السكون حتى غادرت المنطقة تقدمنا عدة قمم .. وصفت الدورية في مذكراتى بأنها (جيدة) .
بعد صلاة العشاء جلسنا في غرفة المعسكر نناقش برامج الغد وفجأة وصل عدد كبير من
الضيوف البدو المسلحين، إستغرقت المصافحة وقتا طويلا ثم جلس الجميع، وكانت الغرفة
الضيقة مكتظة لدرجة أن حركة الأذرع أصبحت صعبة. وتفرقت مجموعتنا فأصبحنا مثل الجزر
المتناثرة وسط الأجساد القوية لمجاهدى البدو"الكوتشى". حاولنا أن نتبادل الحديث فيما بيننا
لنستكمل ما كنا فيه من موضوعات، ولكن بلا جدوى فقد إندفع الضيوف في سيل من أصوات
مرتفعة حتى بات السيل الذى جرفنا في الصباح أهدأ حالا من سيل الكلام في الغرفة .. لم
نستطيع التحرك عندما حاولنا الخروج .. فهذا مستحيل تماما .. فكما ذكرت فإن حركة الأيدى
أصبحت مستحيلة .. وأخص بالذكر حركة الأيدى لأننى فشلت في حك جسدى بأظافرى فى
محاولة لتخفيف آلام قرص البراغيت التى نهشت فينا بلا رحمة .. وقد إشتهرت مراكز الكوتشى
بهذه الحشرات المؤذية نتيجة تعاملهم مع الأغنام. ولما أصبح الموقف مأسويا عالجته بالضحك
والسبب هو أننى إكتشفت أن جميع البدو في الغرفة يتكلمون بصوت مرتفع جدا وبدون أن
يحاول أى واحد منهم أن يستمع لما يقوله الآخر. وبصعوبة أيضا لفت نظر أخوانى إلى تلك
الملاحظة، فأنفجروا ضاحكين حتى أمسكوا ببطونهم من شدة الضحك، ولكن لم يلتفت إليهم أحد
فالجميع مشغول بالصياح ونحن العرب مشغولين بالضحك .. فكانت حقا غرفة للمجانين!!.
: 86/ 4/ السبت 26
يوم مأساة تشير نوبل النووية في الإتحاد السوفييتى، ولكننا لم ندرى عنها شيئا، فليس
فى المنطقة كلها جهاز راديوا واحد .. كنا بعد الفجر فوق قمم الجبال كعادتنا منذ أن وصلنا ..
أفادتنا تلك الدوريات كثيرا .. وصل عبد الرحمن من ميرانشاة ومعه المجاهد (درويش) الوردكى
وعصام الليبى وبالفعل تحركنا إلى ميرنشاه لكسب الوقت وبدأنا من العصر في فك الأجهزة